حكم نظر الخاطب إلى المخطوبة، وشروطه، وحدوده

حكم نظر الخاطب إلى المخطوبة، وشروطه، وحدوده:

 

من معاني الخطبة وحِكَمِها كشف كل من الخطيبين حال الآخر قبل الارتباط به بعقد الزواج، وليكون ذلك أبقى للحياة الزوجية وأدوم لها، وكشف الحال هذا يقتضي التعرف من كل منهما على الآخر خَلقياً وخُلقياً.

أما التعرف على الأخلاق فيكون بسؤال الأصدقاء والجيران، والتعرف على القرناء والبيئة التي عاش فيها والأهل الذين هو منهم، فإن الإنسان ابن بيئته وقرين قرنائه، وقد قال الشاعر في ذلك: 

عن المرء لا تسل وسل عن قرينه         فكل قرين بالمقارن يقتدي.

وأما التعرف على الصفات الخَلقية، فهذا بعضه يعرف بالسؤال وإرسال المحارم، كالنحافة، ولون البشرة، ولون العينين.  ... وبعضه لا يعرف إلا بالنظر الذاتي، كما قيل: (فما راء كمن سمع) كتبيُّن مدى تقبله له وانجذابه  نحوه.... ، فربما رضي الإنسان المرأة غير الجميلة وأساغها وفضلها على الجميلة، بل ربما رآها أجمل منها في نفسه، وربما حصل ذلك للمرأة إذا رأت الرجل أيضاً، لأن من الجمال ما لا يمكن وصفه بالوصف، ومنه ما يختلف باختلاف الرائي، ويشير إلى ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ) رواه مسلم. 

لهذا دعا الإسلام كلاً من الخطيبين ونبهه إلى أن يسأل عن أحوال الثاني ويعرفه، وأن يتحرى عنه بكل الوسائل المتاحة، كما دعاه إلى رؤيته أيضاً، ليتم بذلك له معرفة أحواله من كل جوانبها.  

وقد روي في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار عدة، منها:

1-ما رواه الْمُزَنِيِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه (أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا، قال المغيرة: فأتيت أبويها فأخبرتهما بقول النبي صلى الله عليه وسلم فكأنما كرها ذلك، فسمعت ذلك المرأة في خدرها فقالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك أن تنظر فانظر، قال المغيرة: فنظرت إليها فتزوجتها) رواه الترمذي.

2- ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: (كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ الأَنْصَارِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ قَالَ لا قَالَ فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فإِنَّ فِي أَعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئًا) رواه مسلم.

هذا وقد أباح الفقهاء لمن استشير في خاطب أو مخطوبة أن يذكر ما يعرفه عنه بصدق، ولا يعد هذا غيبة، بل أوجب بعضهم ذكر ذلك على من استشير، ويقدم في ذلك التعريض على التصريح، فإن أغنى التعريض لم يحل التصريح، فإن استشاره في إنسان وهو يعلم عنه سوءاً، فإن له أن يقول له: لا يناسبك، أو الأولى أن تصرف النظر عن خطبته، فإن كفاه ذلك لم يجز له شرح الأسباب، وإن لم يكفه وأصر على البيان جاز له بيان الأسباب بصدق[1].

 

حدود الرؤية المسموح بها، وشروطها:

اتفق الفقهاء على إباحة نظر الخاطب إلى وجه مخطوبته، لأنه محل العناية غالباً، وذهب الجمهور إلى إباحة النظر إلى الكفين أيضاً، ومنعوا النظر إلى ما وراء ذلك.

وذهب بعض الفقهاء – وروي ذلك عن أحمد بن حنبل - إلى جواز النظر إلى ما يظهر من المرأة عادة في بيتها، كالرقبة والساعدين والساقين، واستدلوا لذلك بما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب أم كلثوم ابنة علي بن أبي طالب رضي الله عنهما فذكر منها صغراً، فقالوا له: إنما ردّك، فعاوده فقال: يرسل بها إليك لتنظر إليها، فلما رآها رضي بها فكشف عن ساقيها، فقالت: أرسل، لولا أنك أمير المؤمنين للطمت عينك، فلما رجعت إلى أبيها قالت له: بعثتني إلى شيخ سوء، فعل كذا وكذا.  ..فقال لها: هو زوجك يا بنية (المغني لابن قدامة 7/74).

إلا أنني أرى في هذا رجاحة رأي الجمهور وضعف هذا الرأي، ذلك أن أم كلثوم رضي الله عنها هنا كانت صغيرة بإقرار علي رضي الله عنه أي دون البلوغ، فلا يقاس البالغات عليها.

هذا وقد ذهب البعض إلى جواز رؤية ما وراء ذلك كله، استدلالاً بعموم الأمر بالنظر الوارد في الأحاديث الشريفة السابقة، وهو باطل، ذلك أن هذا العموم منوط بعلته وهي الحاجة، والحاجة منقضية بدونه، فلا يحل ما وراءها.

هذا وقد اشترط الفقهاء لجواز رؤية الخاطب خطيبته الشروط الآتية:

1) أن يكون ذلك بإذنها وإذن أوليائها، فإذا لم يأذنوا بذلك لم تحل الرؤية، وذهب البعض إلى جواز الرؤية بدون علم  من أحد، واستدلوا لذلك بحديث جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال : (إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ، قَالَ فَخَطَبْتُ جَارِيَةً فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهَا مَا دَعَانِي إِلَى نِكَاحِهَا وَتَزَوُّجِهَا فَتَزَوَّجْتُهَا) رواه أبو داود[2]، والقول الأول أقوى عندي سداً للذريعة.

2) أن لا يكون في الرؤية اختلاء بالمخطوبة أو مجالسة لها بدون محرم لها، وذلك كأن يكونا وحدهما في مكان واحد بعيداً عن أنظار الآخرين، لأنها أجنبية عنه، والاختلاء بالأجنبية حرام، لأحاديث كثيرة منها:

أ- ما رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ وَلا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا قَالَ انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ) رواه مسلم.

ب- ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ دَخَلُوا عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَهِيَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ فَرَآهُمْ فَكَرِهَ ذَلِكَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ لَمْ أَرَ إِلا خَيْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَرَّأَهَا مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَال:َ (لا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا عَلَى مُغِيبَةٍ إِلا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوْ اثْنَانِ) رواه مسلم.

3 )   أن يكون ذلك بنية الخِطبة، فلو نظر إليها بنية المتعة حرم، ولذلك ذهب بعض الفقهاء إلى عدم حل النظر هذا إلا بعد ركون أهل الخطيبة إليه وموافقتهم المبدئية عليه، ولم يشترط ذلك فقهاء آخرون، واكتفوا باشتراط نية الخطبة منه عندما تقوم الرغبة في نفسه لخطبتها، إلا أنهم اشترطوا أن يظن موافقتهم عليه إذا خطبها، فإذا لم يظن ذلك لم يحل له النظر.

4)   أن لا يكون النظر إليها بعد تعرفه عليها، لأن النظر للتعرف، فإذا تعرف عليها وارتضاها لم يحل له النظر ثانية، لأنه مُتعة، وهي محرَّمة، وكذلك إذا تعرَّف إليها ولم يرتضها، فإن تكرار النظر إليها لا يحل، لعدم الحاجة إليه بعد العزوف عنها، ولهذا نقول: إذا عرفها بالنظرة الأولى لم تحل له الثانية لعدم الحاجة، فإذا لم تتيسر له المعرفة بالنظرة الأولى لخجل أو غيره، حل له النظر ثانية وثالثة بمقدار الحاجة، ولا يباح ما راء ذلك، وكذلك إطالة النظر إليها أكثر من الحاجة، فإنها محرمة كتكراره، للسبب نفسه.

وهل يحل له محادثتها؟

والجواب إن ذلك حلال مأذون به ما دام في سبيل التعرف عليها مع محرم من محارمها، لأنه قد يحتاج إلى معرفة صوتها وطريقة تفكيرها، إلا أنه لا يطيل ذلك ولا يغرق فيه أكثر من الحاجة، لأن بعض ذلك يعرف بالسؤال عنها من محارمها.

وهل يحل له معاشرتها أكثر من ذلك والسفر معها؟

والجواب أن ذلك حرام، لأن الخلوة بها -كما تقدم- محرمة، فكذلك ما هو أشد منها من باب أولى، ثم إن هذا كله يمكن الاستغناء عنه بالسؤال من المحارم، فلا يحل النظر من أجله، هذا بالإضافة إلى ما فيه من مخاطر ومحاظير وذرائع تنتهي في الغالب بالمآسي والأضرار الفادحة على الخطيبين.

وهل يحل له لمسها أو مصافحتها؟

والجواب لا يحل ذلك بالإجماع، لأنه محرم في الأصل، لأنها أجنبية عنه، ثم إنه لا حاجة إليه، فلينتبه إلى هذا من يتورط في مصافحة الخطيبة، أو يلبسها الخاتم والسوار وما إليه، كما يتنبه إليه من يتورط في مصافحة النساء الأجنبيات، فإنه حرام بالإجماع، بشهوة وبغير شهوة، إلا العجوز، فقد أجاز البعض مصافحتها إذا أمنت الشهوة.

 



[1]   انظر مغني المحتاج 3/137.

[2]   قال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات، وصححه الحاكم. انظر جامع الأصول 11/438.

 10246    قراءة عودة
 
الصفحة الرئيسية
التســـجـيـل
تفعيـل الحسـاب
إضـافة ســؤال
جديـد الموقــع
المكتبة الإلكترونية
أكثر الفتاوى اطلاعاً
جـديـد الفتـاوى
تواصـل معنــا