زكاة الحلي والمهر المؤجل للزوجة

زكاة الحلي والمهر المؤجل للزوجة

 

مما يكثر السؤال عنه دائماً زكاة الحلي والمهر المؤجل للمرأة، فكثير من النساء يسألن عالماً فيجيبهن بوجوب الزكاة في حليهن وفيما لهن على أزواجهن من المهر المؤجل إن وجد، قبضته أم لم تقبضه، ويسألن آخر فيجيبهن بنقيض ذلك، بأن لا زكاة عنده في حلي النساء ولا مهورهن المؤجلة في ذمة أزواجهن إلا أن يقبضنها، وربما فند بعضهم الجواب وقسمه، فأثبت الزكاة في أحوال ولم يثبتها في أحوال أخر، وذلك ناتج عن اختلال في فهم السائل أو المسؤول أحياناً، وعن اختلاف مذهب أحياناً أخرى، وربما عن جهل المسؤول بالحكم الشرعي في بعض الأحيان، لهذا فإنني رأيت من اللازم أن أضع هذه الأحكام أمام العامة من غير أدلة لينحسم الخلاف ويزول الاشتباه والالتباس، ولتوضع الأمور في نصابها والنقاط على حروفها:

 

1ـ زكاة الحلي:

اتفق الفقهاء على أن نقدي الذهب والفضة أثمان تجارية نامية بالخلقة حكماً (أي بوضع الشارع الحكيم لها) فيجب الزكاة فيها لذلك سواء أكانت مخصصة للتجارة فعلاً أم لا، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الزكاة فيها إذا كانت حلياً على مذاهب:

مذهب الحنفية والظاهرية وهو قول للشافعية استخار الإمام الشافعي الله تعالى فيه ورجحه [وإن كان مرجوحاً في المذهب] وجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة مطلقاً، كما تجب في هذين المعدنين إذا كانا تبراً، أم سبائك، أم نقوداً.. إذا استجمعا شروط وجوب الزكاة، من الحول، والنصاب.. ولا فرق في ذلك بين الحلي المباح والحلي المحرم أو المكروه، ولا بين الحلي المنتفع به والحلي المتروك أو المكسور، ولا بين الحلي المملوك للرجل أو المرأة، ولا الحلي المعد للتجارة به أو المعد للاستعمال.. وهذا القول مروي عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وميمونة، وابن مهران، وجابر بن زيد، والحسن بن صالح، وسفيان الثوري رضي الله عنهم وغيرهم.

وذهب المالكية، والحنابلة، والشافعية في القول الراجح كما سبق في مذهبهم، إلى أنه لا زكاة في الحلي المباح، أما المحرم والمكروه فتجب الزكاة فيه إذا استجمع شروط الزكاة، ذلك أن إباحة التحلي به صارف له عن النماء الذي خلق له، ـ وهي شرط وجوب الزكاة ـ فتسقط الزكاة عنه لذلك، وهذا القول هو قول عبد الله بن عمرو وجابر، وأنس، وعائشة، وأسماء، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وغيرهم.

والحلي المباح للمرأة عند الجمهور هو كل ما تتخذه المرأة من هذين المعدنين للزينة مما لم ينه الشارع الحكيم عنه، كالقرط (الحَلَق)، والسوار، والخلخال، والمنطقة، والخاتم... بشرط عدم المبالغة في ذلك، فإذا بالغت حرم أو كره ووجبت فيه الزكاة لذلك في قول، وفي بعض الأقوال لا زكاة فيه مع المبالغة، وهو الراجح لدى الحنابلة..

والمبالغة هي الخروج عن حد الاعتدال المتعارف عليه بين الناس، كأن تتخذ المرأة خلخالاً وزنه مئتا دينار (ما يعادل 800 غرام)، فإذا اتخذت ثلاثة لتلبس كلا منها أحياناً فالراجح أنه غير ممنوع ولا زكاة فيه لعدم المبالغة والإسراف.

فإذا اتخذت المرأة ملعقة أو صحناً من الذهب والفضة لطعامها حرم ووجبت فيه الزكاة، كذلك كل أدوات الطعام وغيرها مما يعد للاستعمال والامتهان دون الزينة.

فإذا اتخذت المرأة سواراً للإعارة لمن يحتاجه من النساء في المناسبات السعيدة بدون أجرة جاز ولم تجب الزكاة فيه عند المالكية والحنبلية أيضاً لقلة النماء في ذلك فكأنه هدر حكماً، وعند الشافعية قولان، الأول تجب الزكاة فيه لما فيها من النماء، والثاني على القولين السابقين في وجوب الزكاة في الحلي أصلاً، وسبق بيان أن الراجح عدم الزكاة..

فإذا اتخذت المرأة حلياً من الذهب والفضة للادخار لا للتحلي، وجبت فيه الزكاة بالاتفاق لزوال الصارف عن النماء وهو التزين وما إليه، وكذلك إذا اتخذته للتجارة، حيث تجب الزكاة فيه من باب أولى..

والحلي المباح للرجل عند الجمهور هو الخاتم من الفضة، وحلية آلات الحرب كالسيف والرمح والمنطقة، ويحرم عليه التحلي بما وراء ذلك، كما يحرم عليه استعمال أواني الذهب والفضة كالمرأة في ذلك.

وعلى ذلك فلا زكاة فيما أبيح للرجل من الحلي من الذهب والفضة إذا اتخذه لذلك، فإذا اتخذه للادخار أو التجارة وجبت فيه الزكاة قولاً واحداً.

فإذا اقتنى الرجل بعض حلي المرأة ليزين به زوجته، أو ليعيره لمن يحتاجه من النساء، لم تجب فيه الزكاة لإباحته، فإذا اتخذه لإجارته من النساء، في المناسبات كان حاله كحال المرأة إذا اتخذته لذلك ـ وقد تقدم ـ.

فإذا اقتنت المرأة بعض حلي النساء لتعيرها للرجال ليستعملوها استعمالاً محرماً كالسوار والخلخال.. أو اتخذ الرجل حلياً مباحاً للرجال ليعيرها للنساء ليستعملنها استعمالاً محرماً عليهن كحلية السيف.. وجبت الزكاة فيه لعدم وجود الصارف المباح عن النماء.

فإذا انكسرت الحلي المباحة ولم تعد صالحة للتحلي المباح بها، فإن كانت تقبل الإصلاح بعد إذابة وإعادة صياغة وعزم صاحبها على إصلاحها فلا زكاة فيها ولو لم يصلحها فعلاً، وإن كانت غير قابلة للإصلاح إلا بالإذابة، أو كانت قابلة للإصلاح ولكن صاحبها لم يعزم على إصلاحها ولكن على إذابتها أو بيعها أو ادخارها.. وجبت فيها الزكاة من تاريخ ذلك لخروجها بالانكسار عن التزين المباح حقيقة وحكماً، وهو السبب الصارف لها عن النماء والمانع من وجوب الزكاة فيها لدى الجمهور.

وهذا كله عن زكاة الحلي المتخذ من معدني الذهب والفضة، أما أنواع الحلي الأخرى المتخذة من اللؤلؤ والماس والفيروز والعقيق... فلا زكاة فيها بالاتفاق ما لم تعد للتجارة، سواء أكانت مملوكة للرجل أو المرأة، وسواء أكانت معدة لاستعمال مباح أو محرم.. فإذا عرضت للتجارة وجبت فيها الزكاة إذا استجمعت شروطها.

وذهب الشيعة الجعفرية إلى أن لا زكاة في الحلي مطلقاً سواء أكانت من الذهب أو الفضة أو غيرهما، وسواء أكانت مباحة أم محرمة، وقيل تستحب فيها الزكاة.

 

2ـ زكاة المهر المؤجل للمرأة:

أما زكاة المهر المؤجل للزوجة في ذمة زوجها، فقد ذهب الشافعية والحنبلية إلى وجوب الزكاة فيه عليها، قبضته أم لا ـ ما لم تسقطه عن زوجها بطبيعة الحال وإلا سقطت عنه الزكاة لخروجه عن ملكها بذلك ـ وذلك لأنه ملكها وأجل طلبه عرفاً برضاها، فلا تسقط عنها الزكاة لذلك، إلا أنها لا تطالب بدفع زكاته فعلاً إلا بعد قبضه، فإن قبضته زكته عن المدة السابقة فوراً كسائر الديون الأخرى.

وذهب الحنفية والمالكية إلى أن المهر المؤجل دين ضعيف، فلا تجب الزكاة فيه ما لم تقبضه ويحل عليه الحول بعد القبض، فإن كان ذلك زكته عن عام واحد وهذا ما لم يكن لها مال آخر من جنسه، فإن كان، ضمته إليه حين قبضه، وزكته معه في حوله، ولم تنتظر حولاً جديداً خاصاً به..

 

وخلاصة البحث ما يلي:

1ـ تجب الزكاة في حلي الذهب والفضة مطلقاً عند الحنفية سواء أكانت مملوكة لرجل أم امرأة، وسواء أكانت حلياً مباحاً أم محرماً، إذا استجمعت شروط الزكاة,و هذا القول هو أحد قولين للشافعي.

ولا تجب الزكاة في هذه الحلي في الراجح من مذهب الشافعية وهو مذهب المالكية والحنبلية إذا كانت مباحة، فإذا كانت محرمة، وجبت فيها الزكاة بالاتفاق، فإذا كانت مكروهة للمبالغة فيها وجبت فيها الزكاة في قول ولم تجب في قول آخر وهو الراجح لدى الحنبلية.

وذهب الشيعة الجعفرية إلى أن لا زكاة في هذه الحلي مطلقاً.

2ـ ولا تجب الزكاة في أنواع الحلي الأخرى المتخذة من غير الذهب والفضة بالاتفاق ما لم تعرض للتجارة، فإن عرضت للتجارة خرجت عن أن تكون حلياً بذلك ووجبت فيها الزكاة مطلقاً، سواء أكانت مباحة أم محرمة، مملوكة للرجل أم للمرأة على سواء.

3ـ ولا زكاة في مهر المرأة المؤجل عند الحنفية والمالكية حتى تقبضه ويحول عليه الحول أو تضمه إلى سائر أموالها من جنسه، وعند الشافعية والحنبلية تجب الزكاة فيه من تاريخ استحقاقها له، إلا أن دفع الزكاة عنه لا يجب عليها حتى تقبضه، فإن قبضته زكته فوراً عن السنين الماضية.

 

**     **     **

 

 

 2232    قراءة عودة
 
الصفحة الرئيسية
التســـجـيـل
تفعيـل الحسـاب
إضـافة ســؤال
جديـد الموقــع
المكتبة الإلكترونية
أكثر الفتاوى اطلاعاً
جـديـد الفتـاوى
تواصـل معنــا