يجيب على أسئلتكم فضيلة الشيخ
أ. د. أحمد الحجي الكردي
خبير في الموسوعة الفقهية، وعضو هيئة الإفتاء
في دولة الكويت
 

مدى شرعية مصارف الزكاة التي نص عليها القانون الكويتي

بسم الله الرحمن الرحيم

  

  

   

 

مدى شرعية

مصارف الزكاة التي نص عليها القانون الكويتي

رقم /46/ لسنة /2006م

 

بحث أعده

أ.د.أحمد الحجي الكردي

 

للمشاركة في المؤتمر التاسع للمؤسسات المالية الإسلامية

الصناعة المالية الإسلامية وإشكالات فنية ورؤى شرعية

المنعقد في الكويت في 16-17/1/1430هـ الموافق 11-12/1/2009م

 

 

تمهيد:

بين يدي دراسة مصارف الزكاة التي نص عليها قانون الزكاة في دولة الكويت، لا بد من تمهيد يلقي الضوء على نشوء هذا القانون وطبيعته، ثم بيان أهم المبادئ الفقهية التي تتعلق بمبدأ أخذ السلطة الرسمية في الدولة للزكاة من الذين وجبت عليهم، وطرق جمعها منهم،  وصرفها في مصارفها الشرعية، مع بيان الأسس التي تحسب عليها زكاة التجارة، ليستطيع التجار المكلفون بدفع الزكاة للسلطة الرسمية حسابها على الأسس الشرعية بطريقة مجملة تجليها على حقيقتها دون إسهاب يضيع في ثناياه غير المتخصصين في هذا الموضوع الدقيق.

ثم لا بد من بيان موجز واضح للمصارف الشرعية للزكاة، مع ضوابطها وبيان مذاهب  الفقهاء فيها بأسلوب سهل، لتستطيع السلطة الرسمية التي تجبي الزكاة وفقا لهذا القانون من التعرف عليها والانتظام بها وتطبيقها تطبيقا سليما.

 

نشأة قانون الزكاة في دولة الكويت

لم يكن في دولة الكويت قبل عام 1982م قانون يلزم التجار بدفع زكاة مالهم للدولة لصرفها إلى مستحقيها عن طريقها كما كان الأمر عليه في صدر الإسلام، عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل سعاته لجمع أموال الزكاة ممن وجبت عليهم من المسلمين في أنحاء الدولة الإسلامية، لصرفها في مصارفها الشرعية عن طريق هؤلاء السعاة المدرَّبين، ومن امتنع من التجار عن دفعها للسعاة عوقب بعقوبات مختلفة، سوف تتم الإشارة إليها في ثنايا هذا البحث إن شاء الله تعالى.

وفي تاريخ 21/ربيع الأول/1403ه، الموافق 16/1/1982م صدر مرسوم أميري بإنشاء بيت الزكاة التابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية برقم /5/1982 لمساعدة التجار على دفع زكاتهم لمستحقيها، ولكن على سبيل الاختيار لا على سبيل الإلزام، وقد سعد عدد كبير من التجار والشركات في دولة الكويت بإنشاء هذا البيت، وأوكل إليه عدد كبير منهم القيام بتسلم زكاة ماله منه وصرفها في مصارفها الشرعية، وقد قام هذا البيت بالواجب الذي عليه خير قيام عبر تلك السنين الطويلة، ونال سمعة طيبة، حيث أغنى التجار والشركات التجارية عن القيام بهذا الواجب الشرعي الذي هو ركن من أركان الإسلام بخبرة شرعية واجتماعية عالية، مما أغرى المسؤولين في الدولة ودعاهم إلى التفكير في تطوير هذا النظام وجعله إلزاميا لجميع التجار والشركات التجارية، بدلا مما هو عليه من الاختيار، وقد قام بيت الزكاة في السنوات الماضية بالعمل على وضع مشروع لقانون يجعل جباية الزكاة من حق الدولة، تجبيها بشكل إلزامي لا يبقي خيارا للتجار والشركات التجارية في قيامهم بدفعها بأنفسهم، وذلك ضمانا لحسابها بالطريق الشرعي الأمثل الذي يجهله كثير منهم، وإيصالها إلى مستحقيها الشرعيين الذين يجهلهم أو يغفل عنهم كثير من التجار أو الشركات، وقد أخذ تطوير هذا المشروع على يد القائمين على إدارة بيت الزكاة سنين عديدة، وعقدت لدراسته ندوات متعددة، وجلسات من كبار المتخصصين، حتى كاد الآن يصل إلى نهايته بصيغته النهائية، ليكون مشروعا لقانون متكامل للزكاة الواجبة، يصلح للتطبيق في دولة الكويت وفي كل الدول الإسلامية التي ترغب بقيام الدولة بجمع الزكاة وصرفها إلى مستحقيها.

وفي خلال تلك الدراسات التي قام بها بيت الزكاة التابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، رأت وزارة الأوقاف أن تستعجل الأمر وتبدأ بوضع قانون مبدئي لجمع جزء من الزكاة، ليكون مقدمة للقانون الشامل، وبعد دراسات ونقاشات متعددة ظهر إلى الوجود هذا القانون المبدئي الذي يوجب على بعض التجار وبعض الشركات دفع جزء من زكاة أموالهم للدولة، لتصرفها إلى مستحقيها، وهو القانون رقم /46/ الصادر في سنة/2006/م، ويتألف من /5/ مواد، كما يلي:

المادة الأولى: تحصل نسبة مقدارها /1%/ سنويا من صافي أرباح الشركات الكويتية المساهمة العامة المقفلة، ولهذه الشركات عند تقديم إقراراتها بالمستحق عليها مرفقا بها ميزانياتها السنوية بموجب هذا القانون أن تحدد القدر الذي يمثل زكاة عن أموالها من المبلغ المحصل، كما أن، لها أن تطلب توجيه المبلغ المستحق عليها أو جزء منه إلى إحدى الخدمات العامة.

ويعاقب كل من قدم بيانات غير صحيحة أو امتنع عن تقديمها بقصد التهرب من أداء النسبة المشار إليها في الفقرة الأولى من هذه المادة بالحبس مدة لا تجاوز ثلاث سنوات، وغرامة لا تجاوز خمسة آلاف دينار، أو بإحدى هاتين العقوبتين، مع الحكم بسداد المبلغ المطلوب.

المادة الثانية: تتولى وزارة المالية تحصيل النسبة المقررة بالمادة الأولى لصالح الخزانة العامة للدولة، بالكيفية التي ينظمها هذا القانون ولائحته التنفيذية.

المادة الثالثة: يصدر وزير المالية اللائحة التنفيذية لهذا القانون التي تبين قواعد وإجراءات التحصيل والإنفاق للأموال المحصلة، في مدة لا تتجاوز سنة من تاريخ صدور هذا القانون، متضمنة المصارف الشرعية للزكاة، بعد أخذ موافقة هيئة الفتوى في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وذلك مع مراعاة أحكام المادة الأولى من هذا القانون.

المادة الرابعة: يستثنى من تطبيق هذا القانون الشركات المملوكة للحكومة، والتي يصدر بإنشائها قوانين خاصة، والشركات التي يطبق عليها المرسوم رقم /3/ لسنة /1955/م المشار إليه.

المادة الخامسة: على رئيس مجلس الوزراء والوزراء كل فيما يخصه تنفيذ هذا القانون، وينشر في الجريدة الرسمية، ويعمل به من تاريخ صدور اللائحة التنفيذية.

 

وقد صدرت اللائحة التنفيذية لهذا القانون عن السيد وزير المالية بالقرار رقم /58/ لسنة 2007م من /23/ مادة، وجاء في المادتين /18-19/ منها ما يلي:

المادة /18/:

تتولى وزارة المالية إنفاق القدر الذي يمثل زكاة عن أموال الشركات الخاضعة للقانون من المبلغ المحصل إلى المصارف الشرعية المحددة بكتاب هيئة الفتوى بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المشار إليه.

المادة/19/:

تتولى وزارة المالية إنفاق المبلغ المحصل من الشركات الخاضعة للقانون لصالح الخدمات العامة التالية:

1- الأمن والعدالة.

2- الدفاع.

3- الخدمات التعليمية.

4- الخدمات الصحية.

5- التكافل الاجتماعي والشؤون الاجتماعية.

6- الخدمات الإعلامية.

7- الخدمات الدينية.

8- الإسكان.

9- المرافق.

10- الكهرباء والماء.

11- الزراعة والثروة السمكية.

 

جواب هيئة الفتوى في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية

بناء على نص المادة /3/ من القانون رقم 46/ لسنة/2006/م المتضمنة ضرورة الرجوع إلى هيئة الفتوى في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وأخذ موافقتها عند إصدار اللائحة التنفيذية لهذا القانون، فقد اجتمعت هيئة الفتوى في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بناء على استفتاء من السيد خليفة مساعد حمادة وكيل وزارة المالية بتاريخ 16/جمادى الأولى/1428هـ الموافق 2/6/2007/م مرفقا به بنود مصارف الميزانية، لبيان ما يمكن أن يعد من مصارف الزكاة منها، وأصدرت فتواها رقم 14/هـ/2007م بنصها التالي:

إن قائمة بنود الميزانية العامة للدولة تضمنت بنودا هي من مسؤولية الدولة تجاه المواطنين، والدولة مقتدرة –بحمد الله تعالى- لتكفل هذه البنود، كما أن هذه البنود تشمل مستحقين للزكاة وغير مستحقين لها، لذلك لا يمكن اعتمادها مصرفا للزكاة، ونرفق لكم المستحقين للزكاة كما ورد في لائحة توزيع الزكاة الصادرة من بيت الزكاة المعتمدة من هيئة شرعية،وتنصح الهيئة بصرف الزكاة عن طريق بيت الزكاة. والله تعالى أعلم، وصلى الله تعالى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

وإنني أرى أن بيت الزكاة هو خير من يستطيع تسلم الأموال الزكوية الناتجة عن هذا القانون المشار إليه، وهي ليست كل ما يجبى وفقا لها القانون، بل هي جزء منه بحسب ما ورد في المادة الأولى منه، وهي نسبة بسيطة جدا، وذلك لأن بيت الزكاة مؤسسة حكومية متخصصة بجمع الزكاة وصرفها، ولديها كادر مدرب على ذلك، وقد نال ثقة الجميع في ذلك كله عبر سنين عديدة، ولأن موضوع طرق جباية الزكاة وصرفها يحتاج إلى خبرة علمية واجتماعية كبيرة قد لا تتسنى لغير بيت الزكاة إلا بعد جهد ووقت طويل، وعلى كل فإنني سوف أبين مصارف الزكاة الشرعية، فيما يلي، ليستنير بها كل من يوكل إليه صرف الزكاة لمستحقيها، مع مقدمة عن معنى الزكاة وأهم الأحكام التي يحتاج إليها في هذا الموضوع، فلعلها تفي بالغاية:  

 

مقدمة:

الزّكاة فريضة من فرائض الإسلام، وركن من أركان الدّين.

وقد دلّ على وجوبها الكتاب والسّنّة والإجماع.

فمن الكتاب قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) (البقرة:43) ، وقوله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (التوبة:11)، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التوبة: من الآية34). وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَزُكِّيَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ» رواه أبو داود.

ومن السّنّة قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ) رواه البخاري، وذكر منها إيتاء الزّكاة، وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يرسل السّعاة ليقبضوا الصّدقات، وأرسل معاذاً إلى أهل اليمن، وقال له: (ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) رواه البخاري ومسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ ثُمَّ تَلا: لا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ...) رواه البخاري ومسلم. 

وأمّا الإجماع فقد أجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوبها من حيث الجملة، واتّفق الصّحابة رضي الله عنهم على قتال مانعيها.

فقد روى البخاريّ أنّ أبا هريرة رضي الله عنه قال: لمّا توفّي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكرٍ رضي الله عنه، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله عنه: كيف تقاتل النّاس وقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّ الإِسْلامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) رواه البخاري ومسلم، فقال أبو بكرٍ: واللّه لأقاتلنّ من فرّق بين الصّلاة والزّكاة، فإنّ الزّكاة حقّ المال، واللّه لو منعوني عناقاً كانوا يؤدّونها إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها، قال عمر: فواللّه ما هو إلاّ أن قد شرح اللّه صدر أبي بكرٍ رضي الله عنه، فعرفت أنّه الحقّ.

وقد كان نظام الزّكاة مشروعاً في ملل الأنبياء السّابقين، قال اللّه تعالى في حقّ إبراهيم وآله عليهم الصلاة والسلام: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (الأنبياء:73) .

وشرع للمسلمين إيتاء الصّدقة للفقراء، منذ العهد المكّيّ، كما في قوله تعالى: (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} /11-16/ من سورة البلد، وبعض الآيات المكّيّة جعلت للفقراء في أموال المؤمنين حقّاً معلوماً، كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} المعارج /24-25/، وقال ابن حجرٍ: اختلف في أوّل فرض الزّكاة فذهب الأكثرون إلى أنّه وقع بعد الهجرة، وادّعى ابن خزيمة في صحيحه أنّ فرضها كان قبل الهجرة، واحتجّ بقول جعفرٍ للنّجاشيّ: ويأمرنا بالصّلاة والزّكاة والصّيام، ويحمل على أنّه كان يأمر بذلك في الجملة، ولا يلزم أن يكون المراد هذه الزّكاة المخصوصة ذات النّصاب والحول.

قال: وممّا يدلّ على أنّ فرض الزّكاة وقع بعد الهجرة اتّفاقهم على أنّ صيام رمضان إنّما فرض  بعد الهجرة، لأنّ الآية الدّالّة على فرضيّته مدنيّة بلا خلافٍ، وثبت من حديث قيس بن سعدٍ قال:« أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ فَلَمَّا نَزَلَتْ الزَّكَاةُ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ) رواه النسائي.

 

ولا تجب الزّكاة في مال الكافر الأصليّ اتّفاقاً، حربيّاً كان أو ذمّيّاً، لأنّه حقّ لم يلتزمه، ولأنّها وجبت طهرةً للمزكّي، والكافر لا طهرة له ما دام على كفره، وأخذ عمر رضي الله عنه الزّكاة مضاعفةً من نصارى بني تغلب عندما رفضوا دفع الجزية ورضوا بدفع الزّكاة.

وقد ذهب الجمهور إلى أنّ ما يؤخذ منهم يصرف في مصارف الفيء، لأنّه في حقيقته جزية، وذهب محمّد بن الحسن إلى أنّه يصرف في مصارف الزّكاة، وهو قول أبي الخطّاب من الحنبلية .

أمّا المرتدّ: فما وجب عليه من الزّكاة في إسلامه -وذلك إذا ارتدّ بعد تمام الحول على النّصاب- لا يسقط في قول الشّافعيّة والحنابلة، لأنّه حقّ مالٍ فلا يسقط بالرّدّة كالدّين، فيأخذه الإمام من ماله كما يأخذ الزّكاة من المسلم الممتنع، فإن أسلم بعد ذلك لم يلزمه أداؤها.

وذهب الحنفيّة إلى أنّه تسقط بالرّدّة الزّكاة الّتي وجبت في مال المرتدّ قبل الرّدّة، لأنّ من شرطها النّيّة عند الأداء، ونيّته العبادة وهو كافر غير معتبرةٍ، فتسقط بالرّدّة كالصّلاة، حتّى ما كان منها زكاة الخارج من الأرض، وأمّا إذا ارتدّ قبل تمام الحول على النّصاب فلا يثبت الوجوب عند الجمهور من الحنفيّة، والحنابلة، وهو قول عند الشّافعيّة، والأصحّ عند الشّافعيّة أنّ ملكه لماله موقوف فإن عاد إلى الإسلام تبيّن بقاء ملكه وتجب فيه الزّكاة وإلاّ فلا.

 

كما لا تجب الزّكاة في المال العامّ (أموال بيت المال)

فقد نصّ الحنبلية على أنّ مال الفيء، وخمس الغنيمة، وكلّ ما هو تحت يد الإمام ممّا يرجع  إلى الصّرف في مصالح المسلمين لا زكاة فيه، ولم نجد لدى غيرهم تعرّضاً لهذه المسألة مع مراعاتها في التّطبيق، إذ لم يعهد علماً ولا عملاً أخذ الزّكاة من الأموال العامّة.

 

إلا أن الزّكاة تجب في الأموال المشتركة، والأموال المختلطة، والأموال المتفرّقة

الّذي يكلّف بالزّكاة هو الشّخص المسلم بالنّسبة لماله، فإن كان ما يملكه نصاباً وحال عليه الحول وتمّت الشّروط ففيه الزّكاة، فإن كان المال شركةً بينه وبين غيره، وكان المال نصاباً فأكثر، فلا زكاة على أحدٍ من الشّركاء عند الجمهور، وهو قول عند الشّافعيّة، حتّى يكون نصيبه نصاباً، ولا يستثنى من ذلك عند الحنفيّة شيء، ويستثنى عند الجمهور ومنهم الشّافعيّة السّائمة المشتركة، فإنّها تعامل معاملة مال رجلٍ واحدٍ في القدر الواجب وفي النّصاب عند غير المالكيّة، وكذا السّائمة المختلطة - أي الّتي يتميّز حقّ كلٍّ من الخليطين فيها، لكنّها تشترك في المرعى ونحوه من المرافق - وذهب الشّافعيّة على الأظهر، إلى أنّ المال المشترك والمال المختلط يعامل معاملة مال رجلٍ واحدٍ في النّصاب والقدر الواجب، وهو رواية أخرى عند الحنبلية رجّح العمل بها بعضهم، كابن عقيلٍ والآجرّيّ. واحتجّوا بعموم قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «وَلا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ) رواه البخاري.

هذا إذا كان المال في بلدٍ واحدٍ، أمّا إن كان مال الرّجل مفرّقاً بين بلدين أو أكثر، فإن كان من غير المواشي فلا أثر لتفرّقه، بل يزكّى زكاة مالٍ واحدٍ، وإن كان من المواشي وكان بين البلدين مسافة قصرٍ فأكثر، فكذلك عند الجمهور، وهو رواية عن أحمد رجّحها صاحب المغني، والمعتمد عند الحنبلية أنّ كلّ مالٍ منها يزكّى منفرداً عمّا سواه، فإن كان كلا المالين نصاباً زكّاهما كنصابين، وإن كان أحدهما نصاباً والآخر أقلّ من نصابٍ زكّى ما تمّ نصاباً دون الآخر، قال ابن المنذر: لا أعلم هذا القول عن غير أحمد.

واحتجّ من ذهب إلى هذا بأنّه لمّا أثّر اجتماع مال الجماعة حال الخلطة في مرافق الملك ومقاصده على أتمّ الوجوه حتّى جعله كمالٍ واحدٍ وجب تأثير الافتراق الفاحش في المال الواحد حتّى يجعله كمالين.

واحتجّ أحمد بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «ولا يجمع بين متفرّقٍ»، ولأنّ كلّ مالٍ تخرج زكاته ببلده.

 

تقويم السّلع التي تجب فيها الزكاة:

يرى المالكيّة أنّ التّاجر إمّا أن يكون محتكراً أو مديراً، والمحتكر هو الّذي يرصد بسلعه الأسواق وارتفاع الأسعار، والمدير هو من يبيع بالسّعر الحاضر ثمّ يخلفه بغيره، وهكذا، كالبقّال ونحوه.

فالمحتكر يشترط لوجوب الزّكاة عليه أن يبيع بذهبٍ أو فضّةٍ يبلغ نصاباً، ولو في مرّاتٍ، وبعد أن يكمل ما باع به نصاباً يزكّيه ويزكّي ما باع به بعد ذلك وإن قلّ، فلو أقام العرض عنده سنين فلم يبع ثمّ باعه فليس عليه فيه إلاّ زكاة عامٍ واحدٍ، يزكّي ذلك المال الّذي يقبضه، أمّا المدير فلا زكاة عليه حتّى يبيع بشيءٍ ولو قلّ، كدرهمٍ، وعلى المدير الّذي باع ولو بدرهمٍ أن يقوّم عروض تجارته آخر كلّ حولٍ ويزكّي القيمة، كما يزكّي النّقد، وإنّما فرّق مالك بين المدير والمحتكر لأنّ الزّكاة شرعت في الأموال النّامية، فلو زكّى السّلعة كلّ عامٍ - وقد تكون كاسدةً - نقصت عن شرائها، فيتضرّر، فإذا زكّيت عند البيع فإن كانت ربحت فالرّبح كان كامناً فيها فيخرج زكاته، ولأنّه ليس على المالك أن يخرج زكاة مالٍ من مالٍ آخر.

وبهذا يتبيّن أنّ تقويم السّلع عند المالكيّة هو للتّاجر المدير خاصّةً دون التّاجر المحتكر، وأنّ المحتكر ليس عليه لكلّ حولٍ زكاة فيما احتكره، بل يزكّيه لعامٍ واحدٍ عند بيعه وقبض ثمنه.

أمّا عند سائر العلماء فإنّ المحتكر كغيره، عليه لكلّ حولٍ زكاة.

 

كيفيّة التّقويم والحساب في زكاة التّجارة:

أ - ما يقوَّم من السِّلع وما لا يقوّم:

الّذي يقوّم من العروض هو ما يراد بيعه دون ما لا يعدّ للبيع، فالرّفوف الّتي يضع عليها السّلع لا زكاة فيها، وممّا ذكره الحنفيّة من ذلك أنّ تاجر الدّوابّ إن اشترى لها مقاود أو براذع، فإن كان يبيع هذه الأشياء معها ففيها الزّكاة، وإن كانت لحفظ الدّوابّ بها فلا زكاة فيها، وكذلك العطّار لو اشترى قوارير، فما كان من القوارير لحفظ العطر عند التّاجر فلا زكاة فيها، وما كان يوضع فيها العطر للمشتري ففيها الزّكاة.

وموادّ الوقود كالحطب، ونحوه، وموادّ التّنظيف كالصّابون ونحوه الّتي أعدّها الصّانع ليستهلكها في صناعته لا ليبيعها فلا زكاة فيما لديه منها، والموادّ الّتي لتغذية دوابّ التّجارة لا تجب فيها الزّكاة.

وذكر المالكيّة أنّه لا زكاة في الأواني الّتي تدار فيها البضائع، ولا الآلات الّتي تصنع بها السّلع، والإبل الّتي تحملها، إلاّ أن تجب الزّكاة  في عينها.

وذكر الشّافعيّة أنّ الموادّ الّتي للصّباغة أو الدّباغة، والدّهن للجلود، فيها الزّكاة، بخلاف الملح للعجين أو الصّابون للغسل، فلا زكاة فيهما لهلاك العين، وذكر الحنبلية نحو ذلك.

ب - تقويم الصّنعة في الموادّ الّتي يقوم صاحبها بتصنيعها:

الموادّ الخام الّتي اشتراها المالك وقام بتصنيعها يستفاد من كلام المالكيّة أنّها تقوّم على الحال الّتي اشتراها عليها صاحبها، أي قبل تصنيعها، وذلك بيّن على قول من يشترط في وجوب الزّكاة في العروض أن يملكها بمعاوضةٍ، لأنّ هذا قد ملكها بغير معاوضةٍ بل بفعله، ونصّ البنانيّ " الحكم أنّ الصّنّاع يزكّون ما حال على أصله الحول من مصنوعاتهم إذا كان نصاباً ولا يقوّمون صناعتهم " قال ابن لبٍّ: لأنّها فوائد كسبهم استفادوها وقت بيعهم.

 

السّعر الّذي تقوّم به السّلع:

صرّح الحنفيّة أنّ عروض التّجارة يقوّمها المالك على أساس سعر البلد الّذي فيه المال، وليس الّذي فيه المالك، أو غيره ممّن له بالمال علاقة، ولو كان في مفازةٍ تعتبر قيمته في أقرب الأمصار، وتعتبر القيمة يوم الوجوب في قول أبي حنيفة، لأنّه في الأصل بالخيار بين الإخراج من العين وأداء القيمة، ويجبر المصدّق على قبولها، فيستند إلى وقت ثبوت الخيار وهو وقت الوجوب، وقال الصّاحبان من الحنفية: المعتبر القيمة يوم الأداء، لأنّ الواجب عندهما جزء من العين، وله ولاية منعها إلى القيمة، فتعتبر يوم المنع كما في الوديعة.

 

زيادة سعر البيع عن السّعر المقدّر:

إن قوّم سلعةً لأجل الزّكاة وأخرجها على أساس ذلك، فلمّا باعها زاد ثمنها على القيمة، فقد صرّح المالكيّة بأنّه لا زكاة في هذه الزّيادة بل هي ملغاة، لاحتمال ارتفاع سعر السّوق، أو لرغبة المشتري، أمّا لو تحقّق أنّه غلط في التّقويم، فإنّها لا تلغى لظهور الخطأ قطعاً، وكذا صرّح الشّافعيّة، بأنّ الزّيادة عن التّقويم لا زكاة فيها عن الحول السّابق.

 

التّقويم للسّلع البائرة:

مقتضى مذهب الجمهور أنّه لا فرق في التّقويم، بين السّلع البائرة وغيرها.

أمّا المالكيّة، فقد ذكروا أنّ السّلع الّتي لدى التّاجر المدير إذا بارت فإنّه يدخلها في التّقويم ويؤدّي زكاتها كلّ عامٍ إذا تمّت الشّروط، لأنّ بوارها لا ينقلها للقنية ولا للاحتكار، وهذا هو المشهور عندهم وهو قول ابن القاسم، وذهب ابن نافعٍ وسحنون إلى أنّ السّلع إذا بارت تنتقل للاحتكار، وخصّ اللّخميّ وابن يونس الخلاف بما إذا بار الأقلّ، أمّا إذا بار النّصف أو الأكثر فلا يقوّم اتّفاقاً عندهم، ومقتضى ذلك أن لا زكاة فيها إلاّ إذا باع قدر نصابٍ فيزكّيه، ثمّ كلّما باع شيئاً زكّاه كما تقدّم.

 

التّقويم للسّلع المشتراة الّتي لم يدفع التّاجر ثمنها:

ذهب المالكيّة إلى أنّ التّاجر المدير لا يقوّم - لأجل الزّكاة - من سلعه إلاّ ما دفع ثمنه، أو حال عليه الحول عنده وإن لم يدفع ثمنه، وحكمه في ما لم يدفع ثمنه حكم من عليه دين وبيده مال، وأمّا ما لم يدفع ثمنه ولم يحل عليه الحول عنده، فلا زكاة عليه فيه، ولا يسقط عنه من زكاة ما حال حوله عنده شيء بسبب دين ثمن هذا العرض الّذي لم يحل حوله عنده، إن لم يكن عنده ما يجعله في مقابلته.

 

إخراج الزّكاة

من وجبت عليه الزّكاة إمّا أن يخرجها بإعطائها مباشرةً إلى الفقراء وسائر المستحقّين، وإمّا أن يدفعها إلى الإمام ليصرفها في مصارفها.

ونذكر هنا الأحكام المتعلّقة بالإخراج، وخاصّةً الإخراج المباشر إلى الفقراء.

 

النّيّة عند أداء الزّكاة:

الزّكاة فريضة من فرائض العبادات، كالصّلاة، ولذلك فإنّ النّيّة شرط فيها عند عامّة العلماء، وروي عن الأوزاعيّ عدم اشتراط النّيّة فيها، لأنّها دين على صاحبها، وأداء الدّين لا يفتقر إلى نيّةٍ.

استدلّ الجمهور بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) رواه البخاري. ولأنّ إخراج المال للّه يكون فرضاً ويكون نفلاً، فافتقرت الفريضة إلى النّيّة لتمييزها عن النّفل، وقياساً على الصّلاة.

ومعنى النّيّة المشترطة في الزّكاة أن يقصد بقلبه أنّ ما يخرجه هو الزّكاة الواجبة عليه في ماله، وإن كان يخرج عمّن تحت يده من صبيٍّ أو مجنونٍ أن يقصد أنّها الزّكاة الواجبة عليهما.

 

ويعتبر أن يكون النّاوي مكلّفاً، لأنّها فريضة. 

وينوي عند دفعها إلى الإمام أو إلى مستحقّها، أو قبل الدّفع بقليلٍ، فإن نوى بعد الدّفع لم يجزئه على ما صرّح به المالكيّة والشّافعيّة، أمّا عند الحنفيّة فالشّرط مقارنة النّيّة للأداء ولو حكماً، كما لو دفع بلا نيّةٍ ثمّ نوى والمال لا يزال قائماً في ملك الفقير، بخلاف ما إذا نوى بعدما استهلكه الفقير أو باعه، فلا تجزئ عن الزّكاة.

وقال الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة: إن عزل الزّكاة عن ماله ونوى عند العزل أنّها زكاة كفى ذلك، ولو لم ينو عند الدّفع، قال ابن عابدين: لأنّ الدّفع يتفرّق، فيتحرّج باستحضار النّيّة عند كلّ دفعٍ، فاكتفي بذلك، للحرج.

وإن دفع الزّكاة إلى وكيله ناوياً أنّها زكاة كفى ذلك، والأفضل أن ينوي الوكيل أيضاً عند الدّفع إلى المستحقّين أيضاً، ولا تكفي نيّة الوكيل وحده، ولو دفع الإنسان كلّ ماله إلى الفقراء تطوّعاً بعد ما وجبت فيه الزّكاة، لم تسقط عنه الزّكاة، بل تبقى في ذمّته، وبهذا قال الشّافعيّة والحنبلية لأنّه لم ينو الفرض، وقال الحنفيّة: تسقط عنه الزّكاة في هذه الحال استحساناً، لأنّه لمّا أدّى الكلّ زالت المزاحمة بين الجزء المؤدّى وسائر الأجزاء، وبأداء الكلّ للّه تعالى تحقّق أداء الجزء الواجب.

 

ولا يجب تعيين المال المخرج عنه، لكن لو عيّنه تعيّن.

فلو أخرج الزّكاة ونوى عن ماله الغائب الّذي لا يعلم سلامته جاز، لأنّ الأصل بقاؤه، ثمّ إن تبيّنت سلامته أجزأه، وإن تبيّن تلفه لم يجز أن يصرف الزّكاة إلى مالٍ آخر، وإن نوى عن مالي الغائب أو الحاضر، فتبيّن تلف الغائب أجزأت عن الحاضر، وإن نوى بالمخرَج أن يكون زكاة المال الموروث الّذي يشكّ في موت مورثه لم تجزئه، لأنّه متردّد والأصل عدم الموت.

 

ولا يشترط علم آخذ الزّكاة أنّها زكاة.

 

النّيّة عند أخذ السّلطان الزّكاة:

إن أخذ السّلطان أو نوّابه الزّكاة من الممتنع عن أدائها قهراً، وبمنزلة الممتنع قهراً من غيّب ماله لئلاّ تؤخذ منه الزّكاة، والأسير، ومن يتعذّر الوصول إليه، على ما صرّح به شارح المنتهى، فقد اختلف الفقهاء في ذلك:

فقال الشّافعيّة في الأصحّ وهو قول عند الحنبلية : إن أخذ السّلطان الزّكاة من الممتنع قهراً ونوى عند  الأخذ أو عند التّفريق، أجزأت عن الممتنع ظاهراً وباطناً، لأنّ تعذّر النّيّة في حقّه أسقط وجوبها عنه، كالصّغير والمجنون، والسّلطان له ولاية على المالك.

وأطلق المالكيّة القول بإجزائها، وظاهره إجزاؤها ظاهراً وباطناً.

وقال القاضي من الحنبلية: إذا أخذها السّلطان أجزأت من غير نيّةٍ، سواء أخذها طوعاً أو كرهاً، لأنّ أخذ الإمام لها بمنزلة القسم بين الشّركاء، لأنّه وكيل الفقراء، ولأنّ للسّلطان ولايةً عامّةً، بدليل أنّه يأخذها من الممتنع اتّفاقاً، ولو لم يجزئه لما أخذها، أو لأخذها ثانيةً وثالثةً، حتّى ينفد ماله.

وفي قول أبي الخطّاب وابن عقيلٍ من الحنبلية: إن أخذها الإمام قهراً أجزأت ظاهراً، فلا يطالب بها، ولا تجزئ باطناً، لأنّها عبادة، فلا تجزئ عمّن وجبت عليه بغير نيّةٍ، كالصّلاة، وأخذ الإمام لها يسقط المطالبة بها لا غير.

 

احتساب المكس (الضريبة) ونحوه من الزّكاة:

قال السّرخسيّ الحنفيّ: إذا نوى أن يكون المكس زكاةً فالصّحيح - أي عند الحنفيّة - أنّه لا يقع عن الزّكاة، ونقله ابن عابدين عن الفتاوى البزّازيّة. 

وعند المالكيّة أفتى الشّيخ عليش فيمن يملك نصاباً من الأنعام، فجعل عليه الحاكم نقداً معلوماً كلّ سنةٍ، يأخذه بغير اسم الزّكاة، فلا يسوغ له أن ينوي به الزّكاة، وإن نواها لا تسقط عنه، وقال: أفتى به النّاصر اللّقانيّ والحطّاب.

وفي المجموع للنّوويّ: اتّفق الأصحاب أنّ الخراج المأخوذ ظلماً لا يقوم مقام العشر، فإن أخذه السّلطان على أن يكون بدل العشر فهو كأخذ القيمة، وفي سقوط الفرض به خلاف، والصّحيح السّقوط به، فعلى هذا إن لم يبلغ قدر العشر أخرج الباقي.

وأفتى ابن حجرٍ الهيتميّ بأنّ ما يؤخذ من التّاجر من المكس لا يحسب عنه زكاةً، ولو نوى به الزّكاة، لأنّ الإمام لم يأخذه باسم الزّكاة.

وعند الحنبلية روايتان: إحداهما يجزئ والأخرى لا يجزئ، قال ابن مفلحٍ: وهي الأصحّ، لأنّه أخذها غصباً.

وفي فتاوى ابن تيميّة: ما يأخذه ولاة الأمور بغير اسم الزّكاة لا يعتدّ به من الزّكاة.

 

جمع الإمام ونوّابه للزّكاة:

للإمام حقّ أخذ الزّكاة من المال الّذي وجبت فيه - على خلافٍ في بعض الأموال يأتي بيانه -. وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والخليفتان بعده يأخذون الزّكاة من كلّ الأموال، إلى أن فوّض عثمان رضي الله عنه في خلافته أداء الزّكاة عن الأموال الباطنة إلى ملاكها، كما يأتي.

ودليل ذلك قوله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة:103)، وقول أبي بكرٍ رضي الله عنه: (وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ) رواه البخاري ومسلم، واتّفق الصّحابة على ذلك.

ويجب على الإمام أخذ الزّكاة ممّن وجبت عليهم، فقد صرّح الشّافعيّة بأنّه يجب على الإمام بعث السّعاة لأخذ الصّدقات، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السّعاة، ولأنّ في النّاس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه، ومنهم من يبخل.

والوجوب هو أحد قولي المالكيّة، واحتجّوا بقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة:103) .

والّذين رخّصوا للإمام في عدم أخذ الزّكاة من جميع الأموال أو من بعضها دون بعضٍ، إنّما هو إذا علم الإمام أنّهم إذا لم يأخذها منهم أخرجوها من عند أنفسهم، أمّا لو علم أنّ إنساناً من النّاس أو جماعةً منهم لا يخرجون الزّكاة فيجب على الإمام أخذها منهم ولو قهراً، كما تقدّم، لأنّ الإمامة لحراسة الدّين وسياسة الدّنيا، ومنع الزّكاة هدم لركنٍ من أركان الدّين.

 

حكم دفع الزّكاة إلى الإمام العادل:

المراد بالإمام العادل هنا من يأخذ الزّكاة بحقّها، ويعطيها لمستحقّها، ولو كان جائراً في غير ذلك، على ما صرّح به المالكيّة.

ومن دفع زكاة ماله إلى الإمام العادل جاز، وأجزأت عنه اتّفاقاً.

ولو كان بإمكانه دفعها إلى الإمام وتفريقها بنفسه، فقد اختلف الفقهاء في ذلك:

فذهب مالك وأبو حنيفة وأبو عبيدٍ، وهو القديم من قولي الشّافعيّ، إلى التّفريق بين الأموال الظّاهرة، وهي الزّروع، والمواشي، والمعادن، ونحوها، وبين الأموال الباطنة وهي الذّهب والفضّة والتّجارات.

فأمّا الظّاهرة فيجب دفعها إلى الإمام، لأنّ أبا بكرٍ طالبهم بالزّكاة وقاتلهم عليها، ووافقه الصّحابة على هذا، فليس للمزكّي إخراجها بنفسه، حتّى لقد صرّح الشّافعيّة بأنّه لو أخرجها كذلك لم تجزئه، ولأنّ ما للإمام قبضه بحكم الولاية لا يجوز دفعه إلى المولّى عليه، كوليّ اليتيم. 

وأمّا زكاة الأموال الباطنة، فقال الحنفيّة: للإمام طلبها، وحقّه ثابت في أخذ الزّكاة من كلّ مالٍ تجب فيه الزّكاة، للآية، وما فعله عثمان رضي الله عنه أنّه فوّض إلى الملاك زكاة المال الباطن، فهم نوّابه في ذلك، وهذا لا يُسقط طلب الإمام أصلاً، ولهذا لو علم أنّ أهل بلدةٍ لا يؤدّون زكاتهم طالبهم بها، فأمّا إذا لم يطلبها لم يجب الدّفع إليه.

وقال المالكيّة والشّافعيّة: زكاة الأموال الباطنة مفوّضة لأربابها، فلربّ المال أن يوصلها إلى الفقراء وسائر المستحقّين بنفسه.

وذهب الحنبلية، وهو الجديد المعتمد من قولي الشّافعيّ: إلى أنّ الدّفع إلى الإمام غير واجبٍ في الأموال الظّاهرة والباطنة على السّواء، فيجوز للمالك صرفها إلى المستحقّين مباشرةً، قياساً للظّاهرة على الباطنة، ولأنّ في ذلك إيصال الحقّ إلى مستحقّه الجائز تصرّفه، فيجزئه، كما لو دفع الدّين إلى غريمه مباشرةً، وأخذ الإمام لها إنّما هو بحكم النّيابة عن مستحقّها، فإذا دفعها إليهم جاز، لأنّهم أهل رشدٍ.

ثمّ قال الشّافعيّة في الأظهر: الصّرف إلى الإمام أفضل من تفريقها بنفسه، لأنّه أعرف بالمستحقّين، وأقدر على التّفريق بينهم، وبه يبرأ ظاهراً وباطناً.

ثمّ قال الحنبلية: تفرقتها بنفسه أولى وأفضل من دفعها إلى الإمام، لأنّه إيصال للحقّ إلى مستحقّه، فيسلم عن خطر الخيانة من الإمام أو عمّاله، ولأنّ فيه مباشرة تفريج كربة من يستحقّها، وفيه توفير لأجر العمالة، مع تمكّنه من إعطاء محاويج أقربائه، وذوي رحمه، وصلتهم بها، إلاّ أنّه إن لم يثق بأمانة نفسه فالأفضل له دفعها إلى السّاعي، لئلاّ يمنعه الشّحّ من إخراجها.

أمّا لو طلب الإمام العادل الزّكاة، فإنّه يجب الدّفع إليه اتّفاقاً، وسواء كان المال ظاهراً أو باطناً، والخلاف في استحقاقه جمع زكاة المال الباطن لا يبيح معصيته في ذلك إن طلبه، لأنّ الموضع موضع اجتهادٍ، وأمر الإمام يرفع الخلاف كحكم القاضي، كما هو معلوم من قواعد الشّريعة.

وصرّح المالكيّة بأنّ الإمام العدل إن طلبها فادّعى المالك إخراجها لم يصدّق.

 

دفع الزّكاة إلى الأئمّة الجائرين، وإلى البغاة:

إن أخذ الإمام الجائر الزّكاة قهراً أجزأت عن صاحبها، وكذا إن أكره الإمام المزكّي فخاف الضّرر إن لم يدفعها إليه.

واختلف الفقهاء فيمن كان قادراً على الامتناع عن دفعها إلى الإمام الجائر، أو على إخفاء ماله، أو إنكار وجوبها عليه، أو نحو ذلك:

فذهب الجمهور من الحنفيّة والمالكيّة إلى عدم جواز دفعها إلى الإمام حينئذٍ، وأنّها لا تجزئ عن دافعها على التّفصيل التّالي:

فقال الحنفيّة: إذا أخذ الخوارج والسّلاطين الجائرون زكاة الأموال الظّاهرة كزكاة السّوائم والزّروع وما يأخذه العاشر، فإن صرفوه في مصارفه المشروعة فلا إعادة على المزكّي، وإلاّ فعلى المزكّي فيما بينه وبين اللّه تعالى إعادة إخراجها، وفي حالة كون الآخذ لها البغاة ليس للإمام أن يطالب أصحاب الأموال بها، لأنّه لم يحمهم من البغاة، والجباية بالحماية، ويفتى البغاة بأن يعيدوا ما أخذوه من الزّكاة.

وأمّا الأموال الباطنة فلا يصحّ دفعها إلى السّلطان الجائر.

وقال المالكيّة: إن دفعها إلى السّلطان الجائر اختياراً، فدفعها السّلطان لمستحقّها أجزأت عنه، وإلاّ لم تجزئه. فإن طلبها الجائر فعلى ربّها جحدها والهرب بها ما أمكن، فإن أكرهه جاز.

وهذا إن كان جائراً في أخذها أو صرفها، سواء كانت من الأموال الظّاهرة أو الباطنة.

أمّا إن كان عادلاً فيها وجائراً في غيرها، فيجوز الدّفع إليه مع الكراهة.

أمّا الشّافعيّة فذهبوا إلى أنّه إن طلب الإمام الجائر زكاة المال الباطن، فصرفها إليه أفضل، وكذا زكاة المال الظّاهر سواء لم يطلبها أو طلبها، وفي التّحفة إن طلبها وجب الدّفع إليه.

وذهب الحنبلية إلى أنّ دفع الزّكاة إلى الإمام الجائر والبغاة والخوارج إذا غلبوا على البلد جائز سواء كانت من الأموال الظّاهرة أو الباطنة. ويبرأ المزكّي بدفعها إليهم، سواء صرفها الإمام في مصارفها أو لا،

واحتجّوا بما ورد في ذلك عن بعض الصّحابة، منهم سعد بن أبي وقّاصٍ وجابرٍ وأبي هريرة وابن عمر وغيرهم.

 

إرسال الجباة والسّعاة لجمع الزّكاة وصرفها:

يجب على الإمام أن يرسل السّعاة لقبض الزّكاة وتفريقها على مستحقّيها، وقد كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يولّي العمّال ذلك ويبعثهم إلى أصحاب الأموال، فقد استعمل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه عليها، وورد أنّه استعمل ابن اللُّتبيَّة، وكذلك الخلفاء الرّاشدون كانوا يرسلون سعاتهم لقبضها.

ويشترط في السّاعي ما يلي:

أ - أن يكون مسلماً، فلا يستعمل عليها كافراً لأنّها ولاية، وفيها تعظيم للوالي.

ب - وأن يكون عدلاً، أي ثقةً مأموناً، لا يخون ولا يجور في الجمع، ولا يحابي في القسمة.

ج - وأن يكون فقيهاً في أمور الزّكاة، لأنّه يحتاج إلى معرفة ما يؤخذ وما لا يؤخذ، ومحتاج إلى الاجتهاد فيما يعرض له من وقائع الزّكاة.

د - وأن يكون فيه الكفاية، وهي القدرة على القيام بالعمل وضبطه على الوجه المعتبر.

هـ - وأن لا يكون من آل البيت، وفي هذا الشّرط اختلاف بين الفقهاء.

ومعنى اشتراطه هنا عدم استحقاقه للأخذ منها مقابل عمله فيها، فلو عمل بلا أجرٍ أو أعطي أجره من مال الفيء أو غيره جاز.

والسّعاة على الزّكاة أنواع، فمنهم الجابي: وهو القابض للزّكاة، والمفرّق: وهو القاسم، والحاشر: وهو الّذي يجمع أرباب الأموال لتؤخذ منهم الزّكاة، والكاتب لها.

وإن لم يكن هناك إمام، أو كان الإمام لا يرسل السّعاة لجباية الزّكاة فيجب على أهل الأموال إخراجها وتفريقها على المستحقّين، لأنّهم أهل الحقّ فيها والإمام نائب.

 

موعد إرسال السّعاة:

الأموال قسمان:

فما كان منها لا يشترط لزكاته الحول:

كالزّروع والثّمار والمعادن، فهذا يرسل الإمام سعاته وقت وجوبها، ففي الزّروع والثّمار عند إدراكها بحيث يصلهم وقت الجذاذ والحصاد.

وهذا في غير الخرص، أمّا الخارص فيرسل عند بدء ظهور الصّلاح كما تقدّم.

وما كان يشترط فيه الحول كالمواشي:

فذهب الشّافعيّة إلى أنّه يجب أن يعيّن لهم شهراً معيّناً من السّنة القمريّة يرسل إليهم فيه السّاعي كلّ عامٍ.

 

حقوق العاملين على الزّكاة:

العامل على الزّكاة يجوز إعطاؤه حقّه من الزّكاة نفسها بالشّروط المتقدّمة في السّاعي، ويجوز إعطاؤه من بيت المال، ويتعيّن ذلك إن لم يكن من أهل الزّكاة، كأن يكون من آل البيت على ما صرّح به المالكيّة، أو يكون العمل ممّا لا يحتاج إليه غالباً، كالرّاعي والحارس والسّائق على ما صرّح به المالكيّة والشّافعيّة، وقال الحنبلية : يعطى الرّاعي والحارس ونحوهما من الزّكاة كغيرهم من العاملين. وليس للسّاعي أن يأخذ من الزّكاة لنفسه شيئاً غير الأجر الّذي يعطيه إيّاه الإمام، لما في حديث عديّ بن عُميرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللّه صلّى يقول: (مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمْنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه مسلم.

وليس للسّاعي أن يأخذ شيئاً من أهل الأموال باسم الهديّة بسبب ولايته، وإن أخذه لم يحلّ له أن يكتمه ويستأثر به، لما ورد في حديث أبي حميدٍ السّاعديّ رضي الله عنه قال: (اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي قَالَ فَهَلا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلاثًا) رواه البخاري ومسلم.

 

دعاء السّاعي للمزكّي:

إذا أخذ السّاعي الزّكاة استحبّ له أن يدعو للمالك، لقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة:103)، ولما ورد من حديث عبد اللّه بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلانٍ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى) رواه البخاري. وفي قولٍ للشّافعيّة: يجب ذلك، لظاهر الآية، ويقول: اللّهمّ صلّ على آل فلانٍ، وإن شاء دعا بغير  ذلك.

وفي قولٍ للشّافعيّة: لا يدعو بالصّلاة على آل المزكّي، بل يدعو بغيرها، لأنّ الصّلاة خاصّة بالأنبياء.

 

ما يصنع السّاعي بالممتنع عن أداء الزّكاة:

قال الشّافعيّة: إن كان السّاعي جائراً في أخذ الزّكاة أو صرفها لم يكن له تعزير من امتنع أو أخفى ماله أو غلب به، لأنّ الممتنع أو المخفي يكون بذلك معذوراً، أمّا إن كان السّاعي عادلاً فإنّه يأخذها من الممتنع أو المخفي، ويعزّره، ما لم يكن له فيما فعله شبهة معتبرة.

ولو خرج على الإمام قوم فلم يقدر السّاعي على أخذ الزّكاة منهم حتّى مضت أعوام، ثمّ قدر عليهم، يؤخذون بزكاة ما وجد معهم حال القدرة عليهم لماضي الأعوام ولعام القدرة، وإن ادّعوا أنّهم أخرجوها يصدّقون، لكن إن كان خروجهم لمنعها لا يصدّقون على ما صرّح به المالكيّة.

 

ما يصنع السّاعي عند اختلاف الحول على الملاك:

قال النّوويّ: إذا وصل السّاعي إلى أرباب الأموال، فإن كان حول صاحب المال قد تمّ أخذ منه الزّكاة، وإن كان حول بعضهم لم يتمّ سأله السّاعي تعجيل الزّكاة، ويستحبّ للمالك إجابته، فإن عجّلها برضاه أخذها منه، وإلاّ لم يجبره، ثمّ إن رأى السّاعي المصلحة في أن يوكّل من يأخذها عند حلولها ويفرّقها على أهلها فعل، وإن رأى أن يؤخّرها ليأخذها منه في العام المقبل فعل، ويكتبها كي لا ينساها أو يموت فلا يعلمها السّاعي الّذي بعده، وإن رأى أن يرجع في وقت حلولها ليأخذها فعل، وإن وثق بصاحب المال جاز أن يفوّض إليه تفريقها.

وتقدّم أنّ وصول السّاعي شرط في وجوب الزّكاة عند المالكيّة إن كان هناك ساعٍ، فهو يحاسبهم على ما يملكونه يوم وصوله إليهم.

 

بيت مال الزّكاة:

على الإمام أن يتّخذ بيتاً لأموال الزّكاة تحفظ فيه وتضبط إلى أن يتمكّن من صرفها لأهلها.

تصرّفات السّاعي في الزّكاة:

إذا قبض السّاعي الزّكاة يفرّقها على مستحقّيها من أهل البلد الّتي جمعها فيها إن كان الإمام أذن له في تفريقها، فلا ينقلها إلى أبعد من مسافة القصر، إلاّ أن يستغني عنها فقراء البلد، وقد ورد أنّ عمر بعث معاذاً رضي الله تعالى عنه إلى اليمن، فبعث إليه من الصّدقة، فقال له: إنّي لم أبعثك جابياً ولا آخذ جزيةٍ، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء النّاس فتردّ في فقرائهم. فقال معاذ: أنا ما بعثت إليك بشيءٍ وأنا أجد أحداً يأخذه منّي.

فلو نقلها في غير تلك الحال ففيه خلاف.

وليس للسّاعي أن يأخذ من الزّكاة لنفسه على أنّه أحد أصناف أهل الزّكاة، كما لو كان غارماً أو فقيراً، ولا يأخذ إلاّ ما أعطاه الإمام على ما صرّح به المالكيّة، لأنّه يَقسم فلا يحكم لنفسه.

وإذا تلف من مال الزّكاة شيء في يد الإمام أو السّاعي ضمنه إن كان ذلك بتفريطٍ منه، بأن قصّر في حفظه، وكذا لو عرف المستحقّين وأمكنه التّفريق عليهم فلم يفعل حتّى تلفت، لأنّه متعدٍّ بذلك، فإن لم يتعدّ ولم يفرّط لم يضمن.

قال النّوويّ: ينبغي للإمام والسّاعي وكلّ من يفوّض إليه أمر تفريق الصّدقات أن يعتني بضبط المستحقّين، ومعرفة أعدادهم، وأقدار حاجاتهم، بحيث يقع الفراغ من جمع  الصّدقات بعد معرفتهم أو معها، ليعجّل حقوقهم، وليأمن هلاك المال عنده.

وتصرف الزّكاة في الأصناف الثّمانية، ولا يجوز صرفها إلاّ لمن جمع شروط الاستحقاق، ويأتي بيان ذلك بالتّفصيل بعد قليل.

وإذا أخذ الإمام أو السّاعي الزّكاة فاحتاج إلى بيعها لمصلحةٍ من كلفةٍ في نقلها، أو مرض البهيمة أو نحو ذلك جاز، أمّا إذا باعها لغير ذلك فقد ذهب الشّافعيّة والحنبلية إلى عدم الجواز، والبيع باطل، وعليه الضّمان إن تلف، وذلك لأنّ أهل الزّكاة أهل رشدٍ لا ولاية عليهم، فلم يجز بيع مالهم بغير إذنهم.

وفي احتمالٍ عند الحنبلية يجوز ذلك، لما ورد عن قيس بن أبي حازمٍ: (أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رأى في إبل الصّدقة ناقةً كوماء، فسأل عنها، فقال المصدّق: إنّي ارتجعتها بإبلٍ، فسكت)، قال أبو عبيدٍ ابن سلام: الرّجعة أن يبيعها ويشتري بثمنها مثلها أو غيرها، ذكره ابن قدامة في المغني.

 

مصارف الزّكاة:

مصارف الزّكاة محصورة في ثمانية أصنافٍ، والأصناف الثّمانية قد نصّ عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة:60)، و" إنّما " الّتي صدّرت بها الآية أداة حصرٍ، فلا يجوز صرف الزّكاة لأحدٍ أو في وجهٍ غير داخلٍ في هذه الأصناف، وقد أكّد ذلك ما ورد عن ( زِيَادَ بْنَ الْحَارِثِ الصُّدَائِيَّ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْتُهُ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلا قَالَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ أَعْطِنِي مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ) رواه أبو داود.

ومن كان داخلاً في هذه الأصناف فلا يستحقّ من الزّكاة إلاّ بأن تنطبق عليه شروط معيّنة تأتي بعد بيان الأصناف.

بيان الأصناف الثّمانية:

الصّنفان الأوّل والثّاني: الفقراء والمساكين:

الفقراء والمساكين هم أهل الحاجة الّذين لا يجدون ما يكفيهم، وإذا أطلق لفظ " الفقراء " وانفرد دخل فيهم " المساكين "، وكذلك عكسه، وإذا جمع بينهما في كلامٍ واحدٍ، كما في آية مصارف الزّكاة، تميّز كلّ منهما بمعنىً.

وقد اختلف الفقهاء في أيّهما أشدّ حاجةً، فذهب الشّافعيّة والحنبلية إلى أنّ الفقير أشدّ حاجةً من المسكين، واحتجّوا بأنّ اللّه تعالى قدّم ذكرهم في الآية، وذلك يدلّ على أنّهم أهمّ وبقوله تعالى: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً) (الكهف:79). فأثبت لهم وصف المسكنة مع كونهم يملكون سفينةً ويحصّلون نولاً، واستأنسوا لذلك أيضاً بالاشتقاق، فالفقير لغةً: فعيل بمعنى مفعولٍ، وهو من نزعت بعض فقار صلبه، فانقطع ظهره، والمسكين مفعيل من السّكون، ومن كسر صلبه أشدّ حالاً من السّاكن.

وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ المسكين أشدّ حاجةً من الفقير، واحتجّوا بأنّ اللّه تعالى قال: (أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ) (البلد:16)، وهو المطروح على التّراب لشدّة جوعه، وبأنّ أئمّة اللّغة قالوا ذلك، منهم الفرّاء وثعلب وابن قتيبة، وبالاشتقاق أيضاً، فهو من السّكون، كأنّه عجز عن الحركة فلا يبرح.

ونقل الدّسوقيّ قولاً أنّ الفقير والمسكين صنف واحد، وهو من لا يملك قوت عامه، سواء كان لا يملك شيئاً أو يملك أقلّ من قوت العام.

واختلف الفقهاء في حدّ كلٍّ من الصّنفين:

فقال الشّافعيّة والحنبلية: الفقير من لا مال له ولا كسب يقع موقعاً من حاجته، كمن حاجته عشرة فلا يجد شيئاً أصلاً، أو يقدر بماله وكسبه وما يأتيه من غلّةٍ وغيرها على أقلّ من نصف كفايته، فإن كان يجد النّصف أو أكثر ولا يجد كلّ العشرة فمسكين.

وقال الحنفيّة والمالكيّة: المسكين من لا يجد شيئاً أصلاً فيحتاج للمسألة وتحلّ له.

واختلف قولهم في الفقير:

فقال الحنفيّة: الفقير من له أدنى شيءٍ وهو ما دون النّصاب، فإذا ملك نصاباً من أيّ مالٍ زكويٍّ فهو غنيّ لا يستحقّ شيئاً من الزّكاة، فإن ملك أقلّ من نصابٍ فهو غير مستحقٍّ، وكذا لو ملك نصاباً غير نامٍ وهو مستغرق في الحاجة الأصليّة، فإن لم يكن مستغرقاً منع، كمن عنده ثياب تساوي نصاباً لا يحتاجها، فإنّ الزّكاة تكون حراماً عليه، ولو بلغت قيمة ما يملكه نُصُباً فلا يمنع ذلك كونه من المستحقّين للزّكاة إن كانت مستغرقةً بالحاجة الأصليّة، كمن عنده كتب يحتاجها للتّدريس، أو آلات حرفةٍ، أو نحو ذلك.

وقال المالكيّة: الفقير من يملك شيئاً لا يكفيه لقوت عامه.

الغنى المانع من أخذ الزّكاة بوصف الفقر أو المسكنة:

الأصل أنّ الغنيّ لا يجوز إعطاؤه من الزّكاة، وهذا اتّفاقيّ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «وَلا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» رواه النسائي وأبو داود.

ولكن اختلف في الغنى المانع من أخذ الزّكاة: 

فقال الجمهور من المالكيّة والشّافعيّة وهو رواية عن أحمد قدّمها المتأخّرون من أصحابه: إنّ الأمر معتبر بالكفاية، فمن وجد من الأثمان أو غيرها ما يكفيه ويكفي من يمونه فهو غنيّ لا تحلّ له الزّكاة، فإن لم يجد ذلك حلّت له ولو كان ما عنده يبلغ نصباً زكويّةً، وعلى هذا، فلا يمتنع أن يوجد من تجب عليه الزّكاة وهو مستحقّ للزّكاة.

وقال الحنفيّة: هو الغنى الموجب للزّكاة، فمن تجب عليه الزّكاة لا يحلّ له أن يأخذ الزّكاة، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) رواه البخاري ومسلم، ومن ملك نصاباً من أيّ مالٍ زكويٍّ كان فهو غنيّ، فلا يجوز أن تدفع إليه الزّكاة ولو كان ما عنده لا يكفيه لعامه، ومن لم يملك نصاباً كاملاً فهو فقير أو مسكين، فيجوز أن تدفع إليه الزّكاة، كما تقدّم.

وفي روايةٍ أخرى عند الحنبلية عليها ظاهر المذهب: إن وجد كفايته فهو غنيّ، وإن لم يجد وكان لديه خمسون درهماً، أو قيمتها من الذّهب خاصّةً، فهو غنيّ كذلك ولو كانت لا تكفيه، لحديث: (مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ) رواه مسلم، وإنّما فرّقوا بين الأثمان وغيرها اتّباعاً للحديث.

 

وفيما يلي تفصيل فروع هذه المسألة:

إعطاء الزّكاة لمن لا يملك مالاً وله مورد رزقٍ:

من لم يكن له مال أو له مال لا يكفيه فإنّه يستحقّ من الزّكاة عند الجمهور، إلاّ أنّ من لزمت نفقته مليئاً من نحو والدٍ لا يعطى من الزّكاة، وكذا لا تعطى الزّوجة لاستغنائها بإنفاق زوجها عليها. ومن له مرتّب يكفيه لم يجز إعطاؤه من الزّكاة، وكذا من كان له صنعة تكفيه وإن كان لا يملك في الحال مالاً، فإن كان واحد من هذه الأسباب يأتيه منه أقلّ من كفايته يجوز إعطاؤه تمام الكفاية.

ونقل النّوويّ أنّ من له ضيعة تغلّ بعض كفايته أنّه لا يلزمه بيعها لتحلّ له الزّكاة، وكذلك آلات المحترفين وكسب العالم.

وقال الحنفيّة: يجوز دفع الزّكاة إلى من عنده دخل سنويّ أو شهريّ أو يوميّ من عقارٍ أو نحو ذلك، إن لم يملك نصاباً زكويّاً، ويجوز دفعها إلى الولد الّذي أبوه غنيّ إن كان الولد كبيراً فقيراً، سواء كان ذكراً أو أنثى، لأنّه لا يعدّ غنيّاً بيسار أبيه وإن كانت نفقته عليه، أمّا الولد الصّغير الّذي أبوه غنيّ فلا تدفع إليه الزّكاة لأنّه يعدّ غنيّاً بيسار أبيه، وسواء كان الصّغير في عيال أبيه أم لا، وكذا قال أبو حنيفة ومحمّد: يجوز دفع الزّكاة إلى رجلٍ فقيرٍ له ابن موسر، وقال أبو يوسف: إن كان الأب في عيال الابن الموسر لا يجوز، وإن لم يكن جاز.

قالوا: وكذلك المرأة الفقيرة إن كان لها زوج غنيّ يجوز إعطاؤها من الزّكاة، لأنّها لا تعدّ غنيّةً بيسار زوجها، وبقدر النّفقة لا تصير موسرةً، واستيجابها النّفقة بمنزلة الأجرة.

ومن كان مستغنياً بأن تبرّع أحد من النّاس بأن ينفق عليه، فالصّحيح عند الحنبلية أنّه يجوز إعطاؤه من الزّكاة، ويجوز للمتبرّع بنفقته أن يدفع إليه من الزّكاة ولو كان في عياله، لدخوله في أصناف الزّكاة، وعدم وجود نصٍّ أو إجماعٍ يخرجه من العموم.

 

إعطاء الفقير والمسكين القادرين على الكسب:

من كان من الفقراء والمساكين قادراً على كسب كفايته وكفاية من يموّنه، أو تمام الكفاية، لم يحلّ له الأخذ من الزّكاة، ولا يحلّ للمزكّي إعطاؤه منها، ولا تجزئه لو أعطاه وهو يعلم بحاله، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الصّدقة: (لا حظّ فيها لغنيٍّ ولا لقويٍّ مكتسبٍ). وفي لفظٍ: (لا تحلّ الصّدقة لغنيٍّ ولا لذي مرّةٍ سويٍّ) رواه أبو داود وانسائي.

وهذا مذهب الشّافعيّة والحنبلية.

وقال الحنفيّة: يجوز دفع الزّكاة إلى من يملك أقلّ من نصابٍ، وإن كان صحيحاً مكتسباً، لأنّه فقير أو مسكين، وهما من مصارف الزّكاة، ولأنّ حقيقة الحاجة لا يوقف عليها، فأدير الحكم على دليلها، وهو فقد النّصاب، واحتجّوا بما في قصّة الحديث المذكور سابقاً، وهي: (أن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَنَّ رَجُلَيْنِ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلَانِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَلَّبَ فِيهِمَا الْبَصَرَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ بَصَرَهُ فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ شِئْتُمَا وَلا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ) رواه النسائي. لأنّه أجاز إعطاءهما، وقوله: (لا حقّ لكما فيه) معناه لا حقّ لكما في السّؤال.

ومثله قول المالكيّة المعتمد عندهم، إلاّ أنّ الحدّ الأدنى الّذي يمنع الاستحقاق عندهم هو ملك الكفاية لا ملك النّصاب، كما عند الحنفيّة.

 

إعطاء الزّكاة لمن له مال أو كسب وامتنع عنه ماله أو كسبه:

من كان عنده مال يكفيه فلا يستحقّ من الزّكاة، لكن إن كان ماله غائباً أو كان ديناً مؤجّلاً، فقد صرّح الشّافعيّة بأنّه لا يمنع ذلك من إعطائه ما يكفيه إلى أن يصل إلى ماله أو يحلّ الأجل.

والقادر على الكسب إن شغله عن الكسب طلب العلم الشّرعيّ لم يمنع ذلك من إعطائه من الزّكاة، لأنّ طلب العلم فرض كفايةٍ بخلاف التّفرّغ للعبادة.

واشترط بعض الشّافعيّة في طالب العلم أن يكون نجيباً يرجى نفع المسلمين بتفقّهه.

ومن كان قادراً على كسبٍ لكنّ ذلك الكسب لا يليق به، أو يليق به لكن لم يجد من يستأجره، لم يمنع ذلك استحقاقه من الزّكاة.

 

جنس الكفاية المعتبرة في استحقاق الزّكاة:

الكفاية المعتبرة عند الجمهور هي للمطعم والمشرب والمسكن وسائر ما لا بدّ منه على ما يليق بالحال من غير إسرافٍ ولا تقتيرٍ، للشّخص نفسه ولمن هو في نفقته.

وصرّح المالكيّة وغيرهم بأنّ مال الزّكاة إن كان فيه سعة يجوز الإعانة به لمن أراد الزّواج.

 

القدر الّذي يعطاه الفقير والمسكين من الزّكاة:

ذهب الجمهور - المالكيّة وهو قول عند الشّافعيّة وهو المذهب عند الحنبلية - إلى أنّ الواحد من أهل الحاجة المستحقّ للزّكاة بالفقر أو المسكنة يعطى من الزّكاة الكفاية أو تمامها له ولمن يعوله عاماً كاملاً، ولا يزاد عليه، إنّما حدّدوا العام لأنّ الزّكاة تتكرّر كلّ عامٍ غالباً، ولأنّ: النّبيّ صلى الله عليه وسلم ادّخر لأهله قوت سنةٍ. وسواء كان ما يكفيه يساوي نصاباً أو نصباً، وإن كان يملك أو يحصل له بعض الكفاية أعطي تمام الكفاية لعامٍ.

وذهب الشّافعيّة في قولٍ منصوصٍ عليه والحنبيلة في روايةٍ إلى أنّ الفقير والمسكين يعطيان ما يخرجهما من الفاقة إلى الغنى، وهو ما تحصل به الكفاية على الدّوام، لحديث قبيصة مرفوعاً: (إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إِلا لِثَلاثَةٍ لِرَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةَ قَوْمٍ فَيَسْأَلُ فِيهَا حَتَّى يُؤَدِّيَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَيَسْأَلُ فِيهَا حَتَّى يُصِيبَ قَوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ ثُمَّ يُمْسِكُ وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَيَسْأَلُ حَتَّى يُصِيبَ قَوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ ثُمَّ يُمْسِكُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ سُحْتًا يَا قَبِيصَةُ يَأْكُلُهُ صَاحِبُهُ سُحْتًا» رواه أحمد.

فإن كان من عادته الاحتراف أعطي ما يشتري به أدوات حرفته، قلّت قيمتها أو كثرت، بحيث يحصل له من ربحه ما يفي بكفايته غالباً تقريباً، وإن كان تاجراً أعطي بنسبة ذلك، وإن كان من أهل الضّياع يشترى له ضيعة تكفيه غلّتها على الدّوام، قال بعضهم: يشتريها له الإمام ويلزمه بعدم إخراجها عن ملكه.

وذهب الحنفيّة إلى أنّ من لا يملك نصاباً زكويّاً كاملاً يجوز أن يدفع إليه أقلّ من مائتي درهمٍ أو تمامها. ويكره أكثر من ذلك، وقال زفر لا يجوز تمام المائتين أو أكثر.

وهذا عند الحنفيّة لمن لم يكن له عيال ولا دين عليه، فإن كان له عيال فلكلٍّ منهم مائتا درهمٍ، والمدين يعطى لدينه ولو فوق المائتين كما يأتي في الغارمين.

 

إثبات الفقر:

إذا ادّعى رجل صحيح قويّ أنّه لا يجد مكسباً، يجوز أن يعطى من الزّكاة إن كان مستور الحال، ويقبل قوله بغير يمينٍ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المتقدّم: «إن شئتما أعطيتكما» لكن من علم كذبه بيقينٍ لم يصدّق ولم يجز إعطاؤه من الزّكاة.

وإن ادّعى أنّ له عيالاً وطلب من الزّكاة لأجلهم، فعند الشّافعيّة والحنبلية لا يقبل قوله إلاّ ببيّنةٍ، لأنّ الأصل عدم العيال، ولا تتعذّر إقامة البيّنة على ذلك. 

وكذا من كان معروفاً باليسار لا يعطى من الزّكاة، لكن إن ادّعى أنّ ماله تلف أو فقد كلّف البيّنة على ذلك. واختلف قول الحنبلية في عدد البيّنة، فقيل: لا بدّ من ثلاثةٍ، لما ورد في حديث قبيصة أنّ النّبيّ قال له:  (أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا قَالَ ثُمَّ قَالَ يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إِلا لأَحَدِ ثَلاثَةٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ فَمَا سِوَاهُنَّ مِنْ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا) رواه مسلم.

وقيل عندهم: يقبل قول اثنين فقط كسائر الحقوق، والحديث وارد في المسألة، لا في الإعطاء دون مسألةٍ.

 

العاملون على الزّكاة:

يجوز إعطاء العاملين على الزّكاة منها، ولا يشترط فيمن يأخذ من العاملين من الزّكاة الفقر، لأنّه يأخذ بعمله لا لفقره، وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلا لِخَمْسَةٍ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا أَوْ لِغَارِمٍ أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَاهَا الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ)  رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد ومالك.

قال الحنفيّة: يدفع إلى العامل بقدر عمله، فيعطيه ما يسعه ويسع أعوانه غير مقدّرٍ بالثّمن، ولا يزاد على نصف الزّكاة الّتي يجمعها وإن كان عمله أكثر.

وقال الشّافعيّة والحنبلية: للإمام أن يستأجر العامل إجارةً صحيحةً بأجرٍ معلومٍ، إمّا على مدّةٍ معلومةٍ، أو عملٍ معلومٍ، ثمّ قال الشّافعيّة: لا يعطى العامل من الزّكاة أكثر من ثُمُن الزّكاة، فإن زاد أجره على الثّمن أتمّ له من بيت المال. وقيل من باقي السّهام.

ويجوز للإمام أن يعطيه أجره من بيت المال، وله أن يبعثه بغير إجارةٍ ثمّ يعطيه أجر المثل.

وإن تولّى الإمام، أو والي الإقليم أو القاضي من قبل الإمام أو نحوهم أخذ الزّكاة وقسمتها، لم يجز أن يأخذ من الزّكاة شيئاً، لأنّه يأخذ رزقه من بيت المال، وعمله عامّ.

 

المؤلّفة قلوبهم:

اختلف الفقهاء في صنف المؤلّفة قلوبهم:

فالمعتمد عند كلٍّ من المالكيّة والشّافعيّة والحنبلية أنّ سهم المؤلّفة قلوبهم باقٍ لم يسقط، وفي قولٍ عند كلٍّ من المالكيّة والشّافعيّة وروايةٍ عند الحنبلية: أنّ سهمهم انقطع لعزّ الإسلام، فلا يعطون الآن، لكن إن احتيج لاستئلافهم في بعض الأوقات أعطوا.

قال ابن قدامة: لعلّ معنى قول أحمد: انقطع سهمهم، أي لا يحتاج إليهم في الغالب، أو أراد أنّ الأئمّة لا يعطونهم اليوم شيئاً، فأمّا إن احتيج إلى إعطائهم جاز الدّفع إليهم، فلا يجوز الدّفع إليهم إلاّ مع الحاجة.

وقال الحنفيّة: انعقد الإجماع على سقوط سهمهم من الزّكاة، لما ورد أنّ الأقرع بن حابسٍ وعيينة بن حصنٍ جاءا يطلبان من أبي بكرٍ أرضاً، فكتب لهما بذلك، فمرّا على عمر، فرأى الكتاب فمزّقه، وقال: هذا شيء كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعطيكموه ليتألّفكم، والآن قد أعزّ اللّه الإسلام وأغنى عنكم، فإن ثبتّم على الإسلام، وإلاّ فبيننا وبينكم السّيف، فرجعا إلى أبي بكرٍ، فقالا، ما ندري: الخليفة أنت أم عمر؟ فقال: هو إن شاء، ووافقه، ولم ينكر أحد من الصّحابة ذلك.

ثمّ اختلفوا:

ففي قولٍ للمالكيّة: المؤلّفة قلوبهم كفّار يعطون ترغيباً لهم في الإسلام لأجل أن يعينوا المسلمين، فعليه لا تعطى الزّكاة لمن أسلم فعلاً.

وقال الشّافعيّة: لا يعطى من هذا السّهم لكافرٍ أصلاً، لأنّ الزّكاة لا تعطى لكافرٍ، للحديث: (فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) رواه البخاري ومسلم، بل تعطى لمن أسلم فعلاً، وهناك أقوال أخرى للشّافعيّة.

وقال الحنبلية : يجوز الإعطاء من الزّكاة للمؤلّف مسلماً كان أو كافراً.

وعند كلٍّ من الشّافعيّة والمالكيّة أقوال بمثل هذا.

قال ابن قدامة: المؤلّفة قلوبهم ضربان: كفّار ومسلمون، وهم جميعاً السّادة المطاعون في قومهم وعشائرهم.

ثمّ ذكر المسلمين منهم فجعلهم أربعة أضربٍ:

أ - سادة مطاعون في قومهم أسلموا ونيّتهم ضعيفة فيعطون تثبيتاً لهم.

ب - قوم لهم شرف ورياسة أسلموا ويعطون لترغيب نظرائهم من الكفّار ليسلموا.

ج - صنف يراد بتألّفهم أن يجاهدوا من يليهم من الكفّار، ويحموا من يليهم من المسلمين.

د - صنف يراد بإعطائهم من الزّكاة أن يجبوا الزّكاة ممّن لا يعطيها.

ثمّ ذكر ابن قدامة الكفّار فجعلهم ضربين:

أ - من يرجى إسلامه فيعطى لتميل نفسه إلى الإسلام.

ب - من يخشى شرّه ويرجى بعطيّته كفّ شرّه وكفّ غيره معه.

 

في الرّقاب:

وهم ثلاثة أضربٍ:

الأوّل: المكاتبون المسلمون: فيجوز عند الجمهور الصّرف من الزّكاة إليهم، إعانةً لهم على فكّ رقابهم ولم يجز ذلك مالك، كما لم يجز صرف شيءٍ من الزّكاة في إعتاق من انعقد له سبب حرّيّةٍ بغير الكتابة، كالتّدبير والاستيلاد والتّبعيض.

فعلى قول الجمهور: إنّما يعان المكاتب إن لم يكن قادراً على الأداء لبعض ما وجب عليه، فإن كان لا يجد شيئاً أصلاً دفع إليه جميع ما يحتاج إليه للوفاء.

الثّاني: إعتاق الرّقيق المسلم، وقد ذهب إلى جواز الصّرف من الزّكاة في ذلك المالكيّة وأحمد في روايةٍ، وعليه فإن كانت الزّكاة بيد الإمام أو السّاعي جاز له أن يشتري رقبةً أو رقاباً فيعتقهم، وولاؤهم للمسلمين، وكذا إن كانت الزّكاة بيد ربّ المال فأراد أن يعتق رقبةً تامّةً منها، فيجوز ذلك، لعموم الآية {وَفِي الرِّقَابِ} ويكون ولاؤها عند المالكيّة للمسلمين أيضاً، وعند الحنبلية: ما رجع من الولاء ردّ في مثله، بمعنى أنّه يشترى بما تركه المعتق ولا وارث له رقاب تعتق، وعند أبي عبيدٍ: الولاء للمعتق.

وذهب الحنفيّة والشّافعيّة وأحمد في روايةٍ أخرى إلى أنّه لا يعتق من الزّكاة، لأنّ ذلك كدفع الزّكاة إلى القنّ، والقنّ لا تدفع إليه الزّكاة، ولأنّه دفع إلى السّيّد في الحقيقة، وقال الحنفيّة: لأنّ العتق إسقاط ملكٍ، وليس بتمليكٍ، لكن إن أعان من زكاته في إعتاق رقبةٍ جاز عند أصحاب هذا القول من الحنبلية.

الثّالث: أن يفتدي بالزّكاة أسيراً مسلماً من أيدي المشركين، وقد صرّح الحنبلية وابن حبيبٍ وابن عبد الحكم من المالكيّة بجواز هذا النّوع، لأنّه فكّ رقبةٍ من الأسر، فيدخل في الآية، بل هو أولى من فكّ رقبة من بأيدينا، وصرّح المالكيّة بمنعه.

 

الغارمون:

والغارمون المستحقّون للزّكاة ثلاثة أضربٍ:

الضّرب الأوّل: من كان عليه دين لمصلحة نفسه، وهذا متّفق عليه من حيث الجملة، ويشترط لإعطائه من الزّكاة ما يلي:

أ - أن يكون مسلماً.

ب - أن لا يكون من آل البيت، وعند الحنبلية قول: بجواز إعطاء مدين آل البيت منها.

ج - واشترط المالكيّة أن لا يكون قد استدان ليأخذ من الزّكاة، كأن يكون عنده ما يكفيه وتوسّع في الإنفاق بالدّين لأجل أن يأخذ منها، بخلاف فقيرٍ استدان للضّرورة ناوياً الأخذ منها.

د - وصرّح المالكيّة بأنّه يشترط أن يكون الدّين ممّا يحبس فيه، فيدخل فيه دين الولد على والده، والدّين على المعسر، وخرج دَين الكفّارات والزّكاة.

هـ - أن لا يكون دينه في معصيةٍ، وهذا عند المالكيّة والشّافعيّة والحنبلية، كأن يكون بسبب خمرٍ، أو قمارٍ، أو زناً، لكن إن تاب يجوز الدّفع إليه، وقيل: لا، ورجّح المالكيّة الأوّل، وعدّ الشّافعيّة الإسراف في النّفقة من باب المعصية الّتي تمنع الإعطاء من الزّكاة.

و - أن يكون الدّين حالاً، صرّح بهذا الشّرط الشّافعيّة، قالوا: إن كان الدّين مؤجّلاً ففي المسألة ثلاثة أقوالٍ ثالثها: إن كان الأجل تلك السّنة أعطي، وإلاّ فلا يعطى من صدقات تلك السّنة.

ز- أن لا يكون قادراً على السّداد من مالٍ عنده زكويٍّ أو غير زكويٍّ زائدٍ عن كفايته، فلو كان له دار يسكنها تساوي مائةً وعليه مائة، وتكفيه دار بخمسين فلا يعطى حتّى تباع، ويدفع الزّائد في دينه على ما صرّح به المالكيّة، ولو وجد ما يقضي به بعض الدّين أعطي البقيّة فقط، وإن كان قادراً على وفاء الدّين بعد زمنٍ بالاكتساب، فعند الشّافعيّة قولان في جواز إعطائه منها.

الضّرب الثّاني: الغارم لإصلاح ذات البين:

الأصل فيه حديث قبيصة المرفوع: ( إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إِلا لأَحَدِ ثَلاثَةٍ ......) رواه مسلم، فذكر منهم: «ورجلٍ تحمّل حمالةً فحلّت له المسألة حتّى يصيبها ثمّ يمسك».

فذهب الشّافعيّة والحنبلية إلى أنّ هذا النّوع من الغارمين يعطى من الزّكاة، سواء كان غنيّاً أو فقيراً، لأنّه لو اشترط الفقر فيه لقلّت الرّغبة في هذه المكرمة، وصورتها أن يكون بين قبيلتين أو حيّين فتنة، يكون فيها قتل نفسٍ أو إتلاف مالٍ، فيتحمّله لأجل الإصلاح بينهم، فيعطى من الزّكاة لتسديد حمالته، وقيّد الحنبلية الإعطاء بما قبل الأداء الفعليّ، ما لم يكن أدّى الحمالة من دينٍ استدانه، لأنّ الغرم يبقى.

وقال الحنفيّة: لا يعطى المتحمّل من الزّكاة إلاّ إن كان لا يملك نصاباً فاضلاً عن دينه كغيره من المدينين. ولم يصرّح المالكيّة بحكم هذا الضّرب فيما اطّلعنا عليه.

الضّرب الثّالث: الغارم بسبب دين ضمانٍ:

وهذا الضّرب ذكره الشّافعيّة، والمعتبر في ذلك أن يكون كلّ من الضّامن والمضمون عنه معسرين، فإن كان أحدهما موسراً ففي إعطاء الضّامن من الزّكاة خلاف عندهم وتفصيل.

 

الدَّين على الميّت:

إن مات المدين ولا وفاء في تركته لم يجز عند الجمهور سداد دينه من الزّكاة.

وقال المالكيّة: يوفّى دينه منها ولو مات، قال بعضهم: هو أحقّ بالقضاء لليأس من إمكان القضاء عنه، وهو أحد قولين عند الشّافعيّة.

 

الصنف السابع: في سبيل اللّه تعالى:

وهذا الصّنف ثلاثة أضربٍ:

الضّرب الأوّل: الغزاة في سبيل اللّه تعالى، والّذين ليس لهم نصيب في الدّيوان، بل هم متطوّعون للجهاد، وهذا الضّرب متّفق عليه عند الفقهاء من حيث الجملة، فيجوز إعطاؤهم من الزّكاة قدر ما يتجهّزون به للغزو، من مركبٍ وسلاحٍ ونفقةٍ وسائر ما يحتاج إليه الغازي لغزوه مدّة الغزو وإن طالت.

ولا يشترط عند الجمهور في الغازي أن يكون فقيراً، بل يجوز إعطاء الغنيّ لذلك، لأنّه لا يأخذ لمصلحة نفسه، بل لحاجة عامّة المسلمين، فلم يشترط فيه الفقر.

وقال الحنفيّة: إن كان الغازي غنيّاً، وهو من يملك خمسين درهماً أو قيمتها من الذّهب كما تقدّم في صنف الفقراء فلا يعطى من الزّكاة، وإلاّ فيعطى، وإن كان كاسباً، لأنّ الكسب يقعده عن الجهاد.

وعند محمّدٍ: الغازي منقطع الحاجّ لا منقطع الغزاة.

وصرّح المالكيّة بأنّه يشترط في الغازي أن يكون ممّن يجب عليه الجهاد، لكونه مسلماً ذكراً بالغاً قادراً، وأنّه يشترط أن يكون من غير آل البيت.

وأمّا جنود الجيش الّذين لهم نصيب في الدّيوان فلا يعطون من الزّكاة، وفي أحد قولين عند الشّافعيّة: إن امتنع إعطاؤهم من بيت المال لضعفه، يجوز إعطاؤهم من الزّكاة.

الضّرب الثّاني: مصالح الحرب

وهذا الضّرب ذكره المالكيّة، فالصّحيح عندهم أنّه يجوز الصّرف من الزّكاة في مصالح الجهاد الأخرى غير إعطاء الغزاة، نحو بناء أسوارٍ للبلد لحفظها من غزو العدوّ، ونحو بناء المراكب الحربيّة، وإعطاء جاسوسٍ يتجسّس لنا على العدوّ، مسلماً كان أو كافراً.

وأجاز بعض الشّافعيّة أن يشترى من الزّكاة السّلاح وآلات الحرب وتجعل وقفاً يستعملها الغزاة ثمّ يردّونها، ولم يجزه الحنبلية.

وظاهر صنيع سائر الفقهاء - إذ قصروا سهم سبيل اللّه على الغزاة، أو الغزاة والحجّاج، أنّه لا يجوز الصّرف منه في هذا الضّرب، ووجهه أنّه لا تمليك فيه، أو فيه تمليك لغير أهل الزّكاة، أو كما قال أحمد: لأنّه لم يؤت الزّكاة لأحدٍ، وهو مأمور بإيتائها. 

الضّرب الثّالث: الحُجّاج:

ذهب جمهور العلماء - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والثّوريّ وأبو ثورٍ وابن المنذر وهو رواية عن أحمد، وقال ابن قدامة: إنّه الصّحيح - إلى أنّه لا يجوز الصّرف في الحجّ من الزّكاة، لأنّ سبيل اللّه في آية مصارف الزّكاة مطلق، وهو عند الإطلاق ينصرف إلى الجهاد في سبيل اللّه تعالى، لأنّ الأكثر ممّا ورد من ذكره في كتاب اللّه تعالى قصد به الجهاد، فتحمل الآية عليه.

وذهب أحمد في روايةٍ، إلى أنّ الحجّ في سبيل اللّه، فيصرف فيه من الزّكاة، لما روي أنّ رجلاً جعل جملا في سبيل اللّه، فأرادت امرأته أن تحجّ، فقال لها النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « فَهَلا خَرَجْتِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْحَجَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) رواه أبو داود، فعلى هذا القول لا يعطى من الزّكاة من كان له مال يحجّ به سواها، ولا يعطى إلاّ لحجّ الفريضة خاصّةً، وفي قولٍ عند الحنبلية : يجوز حتّى في حجّ التّطوّع.

وينقل عن بعض فقهاء الحنفيّة أنّ مصرف في سبيل اللّه هو لمنقطع الحجّاج.

إلاّ أنّ مريد الحجّ يعطى من الزّكاة عند الشّافعيّة على أنّه ابن سبيلٍ كما يأتي.

 

الصّنف الثّامن: ابن السّبيل:

سمّي بذلك لملازمته الطّريق، إذ ليس هو في وطنه ليأوي إلى سكنٍ.

وهذا الصّنف ضربان:

الضّرب الأوّل: المتغرّب عن وطنه الّذي ليس بيده ما يرجع به إلى بلده، وهذا الضّرب متّفق على أنّه من أصحاب الزّكاة، فيعطى ما يوصله إلى بلده، إلاّ في قولٍ ضعيفٍ عند الشّافعيّة: أنّه لا يعطى، لأنّ ذلك يكون من باب نقل الزّكاة من بلدها.

ولا يعطى من الزّكاة إلاّ بشروطٍ:

الشّرط الأوّل: أن يكون مسلماً، من غير آل البيت.

الشّرط الثّاني: أن لا يكون بيده في الحال مال يتمكّن به من الوصول إلى بلده وإن كان غنيّاً في بلده، فلو كان له مال مؤجّل أو على غائبٍ، أو معسرٍ، أو جاحدٍ، لم يمنع ذلك الأخذ من الزّكاة على ما صرّح به الحنفيّة.

الشّرط الثّالث: أن لا يكون سفره لمعصيةٍ، صرّح بهذا الشّرط المالكيّة والشّافعيّة والحنبلية، فيجوز إعطاؤه إن كان سفره لطاعةٍ واجبةٍ كحجّ الفرض، وبرّ الوالدين، أو مستحبّةٍ كزيارة العلماء والصّالحين، أو كان سفره لمباحٍ كالمعاشات والتّجارات، فإن كان سفره لمعصيةٍ لم يجز إعطاؤه منها، لأنّه إعانة عليها، ما لم يتب، وإن كان للنّزهة فقط ففيه وجهان عند الحنبلية، أقواهما: أنّه لا يجوز، لعدم حاجته إلى هذا السّفر.

الشّرط الرّابع: وهو للمالكيّة خاصّةً، أن لا يجد من يقرضه إن كان ببلده غنيّاً.

ولا يعطى أهل هذا الضّرب من الزّكاة أكثر ممّا يكفيه للرّجوع إلى وطنه، وفي قولٍ للحنبلية: إن كان قاصداً بلداً آخر يعطى ما يوصله إليه ثمّ يردّه إلى بلده.

قال المالكيّة: فإن جلس ببلد الغربة بعد أخذه من الزّكاة نزعت منه ما لم يكن فقيراً ببلده، وإن فضل معه فضل بعد رجوعه إلى بلده نزع منه على قولٍ عند الحنبلية.

ثمّ قال الحنفيّة: من كان قادراً على السّداد فالأولى له أن يستقرض ولا يأخذ من الزّكاة.

الضّرب الثّاني: من كان في بلده ويريد أن ينشئ سفراً، فهذا الضّرب منع الجمهور إعطاءه، وأجاز الشّافعيّة إعطاءه لذلك بشرط أن لا يكون معه ما يحتاج إليه في سفره، وأن لا يكون في معصيةٍ، فعلى هذا يجوز إعطاء من يريد الحجّ من الزّكاة إن كان لا يجد في البلد الّذي ينشئ منه سفر الحجّ ما لا يحجّ به.

والحنفيّة لا يرون جواز الإعطاء في هذا الضّرب، إلاّ أنّ من كان ببلده، وليس له بيده مال ينفق منه، وله مال في غير بلده لا يصل إليه، رأوا أنّه ملحق بابن السّبيل.

 

نقل الزّكاة:

إذا فاضت الزّكاة في بلدٍ عن حاجة أهلها جاز نقلها اتّفاقاً، بل يجب، وأمّا مع الحاجة، فيرى الحنفيّة أنّه يكره تنزيهاً نقل الزّكاة من بلدٍ إلى بلدٍ، وإنّما تفرّق صدقة كلّ أهل بلدٍ فيهم، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم). ولأنّ فيه رعاية حقّ الجوار، والمعتبر بلد المال، لا بلد المزكّي.

واستثنى الحنفيّة أن ينقلها المزكّي إلى قرابته، لما في إيصال الزّكاة إليهم من صلة الرّحم، قالوا: ويقدّم الأقرب فالأقرب، واستثنوا أيضاً أن ينقلها إلى قومٍ هم أحوج إليها من أهل بلده، وكذا لأصلح، أو أورع، أو أنفع للمسلمين، أو من دار الحرب إلى دار الإسلام، أو إلى طالب علمٍ.

وذهب المالكيّة والشّافعيّة في الأظهر والحنبلية إلى أنّه لا يجوز نقل الزّكاة إلى ما يزيد عن مسافة القصر، لحديث معاذٍ المتقدّم، ولما ورد أنّ عمر رضي الله عنه بعث معاذاً إلى اليمن، فبعث إليه معاذ من الصّدقة، فأنكر عليه عمر، وقال: لم أبعثك جابياً ولا آخذ جزيةٍ، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء النّاس فتردّ على  فقرائهم، فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيءٍ وأنا أجد من يأخذه منّي.

وروي أنّ عمر بن عبد العزيز أتي بزكاةٍ من خراسان إلى الشّام فردّها إلى خراسان.

قالوا: والمعتبر بلد المال، إلاّ أنّ المالكيّة قالوا: المعتبر في الأموال الظّاهرة البلد الّذي فيه المال، وفي النّقد وعروض التّجارة البلد الّذي فيه المالك.

واستثنى المالكيّة أن يوجد من هو أحوج ممّن هو في البلد، فيجب حينئذٍ النّقل منها ولو نقل أكثرها.      ثمّ إن نقلت الزّكاة حيث لا مسوّغ لنقلها ممّا تقدّم، فقد ذهب الحنفيّة والشّافعيّة، والحنبلية على المذهب، إلى أنّها تجزئ عن صاحبها، لأنّه لم يخرج عن الأصناف الثّمانية، وقال المالكيّة: إن نقلها لمثل من في بلده في الحاجة فتجزئه مع الحرمة، وإن نقلها لأدون منهم في الحاجة لم تجزئه على ما ذكره خليل والدّردير، وقال الدّسوقيّ: نقل الموّاق أنّ المذهب الإجزاء بكلّ حالٍ، وقال الحنبلية في روايةٍ: لا تجزئه بكلّ حالٍ.

وحيث نقلت الزّكاة فأجرة النّقل عند المالكيّة تكون من بيت المال لا من الزّكاة نفسها، وقال الحنبلية: تكون على المزكّي.

 

والخلاصة:

إننا لو تصفحنا مصارف الميزانية في الجدول الذي أشارت إليه المادة /19/ من اللائخة التنفيذية للقانون المذكور، لوجدنا أن بالإمكان وضع شروط وضوابط لبعضها، فتكون بذلك مصارف شرعية للزكاة، ولا تكون على إطلاقها كذلك، وهذا يحتاج إلى كادر شرعي ومحاسبي مدرَّب يتفهم مصارف الزكاة الشرعية بضوابطها، ثم يطبقها على مصارف الميزانية، ومن هنا كانت إشارة هيئة الفتوى إلى ضرورة الرجوع إلي بيت الزكاة في ذلك، لما في تطبيق ذلك من مشقة لا يرتقي إليها إلا المدربون خصيصا على ذلك.

والله تعالى أعلم.

 

‏الإثنين‏ 24‏ ذو الحجة‏ 1429هـ و ‏22‏/12‏/2008م

 

أ.د.أحمد الحجي الكردي

 

 

 2750    قراءة عودة
 
الصفحة الرئيسية
التســـجـيـل
تفعيـل الحسـاب
إضـافة ســؤال
جديـد الموقــع
المكتبة الإلكترونية
أكثر الفتاوى اطلاعاً
جـديـد الفتـاوى
تواصـل معنــا